فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 2255

ثم أنشأ دار الألسن عام 1835م لإعداد المترجمين، وتوسّعت حركة الترجمة لتشمل ميادين ثقافية وعلمية مختلفة، كالعلوم الرياضية، والعلوم الطبية، والطبيعية، والمواد الاجتماعية، والأدبية، والقوانين الفرنسية (18) .

وبرز في ميدان الترجمة إضافة إلى رفاعه الطهطاوي (1801-1873م) ، كل من أحمد عثمان (1829-1898م) الذي قدّم إلى المكتبة العربية عدة ترجمات لكتابات أدبية فرنسية، وأحمد فتحي زغلول (19) (1863-1914م) ، وقد اهتم بترجمة كتابات سياسية واجتماعية أوروبية ذات توجهات ليبرالية واضحة، لا شك أنها قد أسهمت في تعريف المصريين بالفكر الليبرالي الغربي.

وكان يقدم لها بمقدمة يوضح فيها تعاطفه مع المبادئ والأفكار الليبرالية المبثوثة فيها، ويدعو القراء للإفادة منها، وكان من أبرزها"أصول الشرائع"لبنتام ونشرت الترجمة عام 1892م، وكتاب"سر تقدم الإنجليز السكسونيين" (20) لصاحبه إدمون ديمولان ونشرت الترجمة عام 1899م، وكتاب"روح الاجتماع"لجوستاف لوبون ونُشرت الترجمة عام 1909م، وكتاب"سر تطور الأمم"لجوستاف لوبون أيضًا، ونُشرت الترجمة عام 1913م. وكتاب روسو"العقد الاجتماعي" (21) .

وتواصلت حركة الترجمة في مصر لتشكل نافذة تطل منها مصر ومعها العالم العربي على الغرب وثقافته وتياراته الفكرية على تنوعها (22) ، واتخذت مكانة هامة في نظر دعاة الليبرالية كمرحلة لابد منها لخلق بيئة ثقافية وفكرية مناسبة تمهد لولوج مرحلة التأليف تاليًا.

وقد دافع أحمد لطفي السيد، ود. محمد حسين هيكل، وغير واحد من رموز التيار الليبرالي، عن أن هذا العصر عصر ترجمة لا عصر تأليف بالنسبة لمصر (23) .

د-الطباعة والصحافة:

ولا شك أن تطور الطباعة (24) في مصر كان حجر الزاوية في النشاط الثقافي وخاصة في ميدان الترجمة والنشر، وفي ميدان هام آخر هو ميدان الصحافة.

أما فيما يتعلق بالصحافة، فقد عرفت مصر نشاطًا صحفيًا مميزًا منذ صدور"الوقائع المصرية"1828م، فقد صدر عدد كبير من الصحف والمجلات طوال القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين وصولًا إلى فترة الدراسة (25) .

ولا شك أن بعض الصحف والمجلات أدت دورًا بارزًا في التعريف بالفكر الأوروبي، كان في مقدمتها مجلة"المقتطف" (26) ، ومجلة"الهلال" (27) ، ومجلة"الجامعة العثمانية" (28) .

ساهمت هذه المجلات في التعريف بالمذاهب الفكرية والفلسفية والأدبية والعلمية، وسائر ضروب الثقافة الغربية (29) ، وعدّها إسماعيل مظهر صاحبة الفضل الأكبر في تطور الفكر العلمي في مصر، بل وعدّها نقطة التحول الأساسية في الفكر المصري الحديث (30) .

وتبرز جريدة"الجريدة"الصادرة عام 1907م، بوصفها حاملة لراية الدعوة للفكر الليبرالي. وهي لسان حال حزب الأمة ذي التوجهات الليبرالية المعروفة، وترأس تحريرها أحمد لطفي السيد"فيلسوف"التيار الليبرالي المصري ومنظّره. وعلى صفحاتها برزت أسماء عدد من أكبر رموز التيار الليبرالي كطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وعباس محمود العقاد، ومحمود عزمي، ومحمد عبدالقادر المازني، والشيخ مصطفى عبدالرازق (31) .

ثم حملت الراية جريدة"السفور"الصادرة عام 1915م، وقد شكّلت حلقة وصل بين"الجريدة، و"السياسة"الصادرة عام 1922م لسان حال لحزب الأحرار الدستوريين، ورصيفتها"السياسة الأسبوعية"الصادرة عام 1926م، وتولى رئاسة تحريرها د. محمد حسنين هيكل."

3-أبرز مفكري التيار الليبرالي في مصر:

ساهمت جهود مشتركة وعبر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، في تهيئة البيئة المناسبة لتشكيل تيار فكري يتبنى الدعوة للفكر الليبرالي، وتوطينه في البيئة الفكرية المصرية.

-وتبرز جهود الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (32) (1801-1873م) ، ذات أهمية في المساهمة في تعريف القارئ المصري على اتجاهات الفكر الاجتماعي والسياسي في فرنسا، فقد نشر عددًا من الكتب، كان من أبرزها"تخليص الأبريز في تلخيص باريز، أو الديوان النفيس بإيوان باريز"عام 1834م، قدّم فيه فكرة عن الحياة في باريس، وعن الثقافة والعادات والتقاليد والقيم الفرنسية، واعتبره البعض بمثابة حجر الأساس في الفكر الاجتماعي والسياسي المصري، خلال القرن التاسع عشر (33) ، كما أصدر في أواخر حياته كتابًا هامًا يمثل النضوج الفكري للطهطاوي، وهو"مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية"عام 1869، كما ترجم الدستور الفرنسي الذي سماه الشرطة الصادر عام 1814م، ووثيقة حقوق الإنسان، وكتاب"روح القوانين"لمونتسكيو، و"العقد الاجتماعي"لروسو، وغيرها من الكتب، التي تبشر بالقيم والمبادئ الليبرالية (34) .

كما قدم لقرائه فكرة عن الدولة العلمانية، ومفهوم الدستور والقانون، وأنماط الحياة الاجتماعية، ومكانة المرأة في المجتمع الفرنسي، وأبدى إعجابًا بالمبادئ الدستورية، ومبادئ حقوق الإنسان، وفقًا للمنظور الغربي، والرابطة الوطنية والتسامح الديني، فقد اجتهد في تقريب صورة الغرب الأوروبي للعقل المصري، ومما لا شك فيه أنه قد شق الطريق أمام بروز التيار الليبرالي في الفكر المصري الحديث (35) ، فقد عده بعضهم مؤسس الليبرالية المصرية (36) .

-وقد واصل علي مبارك (37) (1823-1893م) متابعة جهود الطهطاوي في حقول الترجمة والتعليم.

وقد ساهم في بروز ما عُرف بالتعليم العلماني أو المدني الحديث الموازي للتعليم الديني الأزهري (38) ، وقد أسهم في تعريف المصريين على جوانب جديدة من الحياة في الغرب في روايته"علم الدين" (39) ، التي كتبها حوالي سنة 1858م.

-وبعيدًا عن التصنيفات القطعية في تحديد الهوية الفكرية لهذا المفكر أو ذاك، فإن جمال الدين الأفغاني (40) (1839-1897م) قام بدور ليبرالي هام خلال فترة مكوثه في القاهرة (1871-1879) .

ولا شك أنه ساهم في تهيئة المناخ الفكري الملائم للأفكار التحررية، فقد تبنى الدعوة إلى الحرية، والأفكار الدستورية، والإفادة من منجزات الغرب والتواصل معه، ومكافحة الاستعمار والاستبداد والظلم (41) .

وتشكل من حوله جيل من التلامذة والمعجبين (42) ، قادوا الحركة الفكرية في مصر، وتزعموا مايسمونه حركة الإصلاح هم وتلامذتهم من بعدهم.

-والشيخ محمد عبده (43) (1849-1905م) يأتي في مقدمة تلامذة الأفغاني وتأتي أهميته في سياق الحديث عن الفكر الليبرالي في مصر، من كونه يمثل مدرسة عصرانية تدعو - كما تزعم - إلى التوفيق بين الإسلام وبين حركة المدنية الحديثة (44) ، فكان دوره حاسمًا في حركة الثقافة المنفتحة على الغرب وعلومه، ، وهو رائد المنهج العصراني (45) .

لكنه لا يحبذ - مؤقتًا - ترك المجال للاتجاهات العلمانية الصرفة لتسود كل شيء (46) .

لكن غالب تلامذته اتجهوا نحو ليبرالية علمانية وفق تطور تدريجي في أعقاب وفاة شيخهم (47) ، وشرعت هذه الفئة في نشر مبادئ مجتمع علماني يدعي احترام الإسلام، لكن دون أن يجعله أساسًا للحياة الاجتماعية (48) !!

-وقبل مواصلة الحديث عن تلامذة محمد عبده الذين ساروا في الخط الليبرالي، لابد من الإشارة إلى الدور الهام الذي قام به عبدالرحمن الكواكبي (49) (1848-1902م) في صياغة الفكر العربي الحديث، وإسهامه بالذات في محاربة الاستبداد، وكشف مخاطره وعواقبه، واعتباره السبب الرئيس المسؤول عن واقع التخلف الذي تعانيه الأمة.

وقد دافع عن الحرية، والعدالة والمساواة، من منظورمنفتح على التجربة الإنسانية، ولا شك أن هذه الأفكار تشكل جذرًا أساسيًا في دعم الفكر التحرري الليبرالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت