فهرس الكتاب
-ويُعد قاسم أمين (50) أحد أبرز تلامذة محمد عبده الذين جنحوا تدريجيًا في مجاراة تيار التغريب، وإن كان اسمه قد اقترن بالدعوة إلى"تحرير المرأة"، فإن جهده الفكري قد اعتبر أحد الروافد الهامة التي صبت في التيار الليبرالي العام.
-ويأتي أحمد لطفي السيد (51) (1872-1963م) لينطلق بعيدًا بالفكر الليبرالي في مصر عن النهج التوفيقي لمحمد عبده.
فقد استبعد الإسلام كتشريع وكمرجعية من مشروعه الفكري، وأخذ به كجانب خُلقي وكمرحلة تاريخية من مراحل تكوين الشخصية المصرية (52) ، وأبدى إعجابًا شديدًا بالفلسفة اليونانية، فعمد إلى ترجمة بعض مؤلفات أرسطو الذي كان من فرط إعجابه به يدعوه"سيدنا أرسطو رضي الله عنه" (53) !!
واعتبره جيل من الشباب المثقف، أستاذًا لهم، فأسموه"أستاذ الجيل"، ذاك الجيل الذي تتلمذ على يديه في"الجريدة"وفي"الجامعة المصرية" (54) ، وتلقفوا أفكاره الليبرالية بكثير من الإعجاب والمتابعة (55) .
ويكفي أن نعرف أن لطفي السيد هو الذي اشتق التسمية المناسبة برأيه للدلالة على"الليبرالية"، فأطلق عليها اسم"مذهب الحريين"وفضلها على تسميتها بمذهب"الحرية"أو مذهب"الأحرار"، وكان يسميه مذهب"اللبراليزم"أي مذهب أهل السماح. ونادى بجعل هذا المذهب أساسًا للنظام السياسي والاجتماعي، ولكل علاقة بين الفرد والمجتمع، أو بين الفرد والحكومة (56) .
كما اقترح تسمية حزب الأحرار الدستوريين عند تأسيسه باسم حزب"الحريين الدستوريين" (57) .
وإذا كان الإمام محمد عبده يدعم نهجه الإصلاحي التوفيقي بـ"الفكرة"و"الموقف"، من خلال العمل في المؤسسات، فإن لطفي السيد ومعه جيل جديد من الليبراليين مارسوا تعزيز النهج التحديثي الليبرالي، عبر"الفكرة"بالجهد الفكري والثقافي، وعبر"الموقف"بالمشاركة في أجهزة الدولة، كتولي الوزارة، ورئاسة الجامعة وغيرها من مؤسسات التوجيه.
-ويظهر د. منصور فهمي (1886-1958م) (58) ؛ كأحد أبرز رموز التيار الليبرالي. تلقى تعليمه العالي في باريس، وناقش في عام 1913م أطروحة الدكتوراه بعنوان"حالة المرأة في التقاليد الإسلامية وتطوراتها"، وهي أول رسالة قدمها مصري في علم الاجتماع.
وقد أشرف عليها المستشرق اليهودي ليفي بريل (59) (1857-1939م) ، وتضمنت نقدًا لاذعًا لأحوال المرأة في المجتمع الإسلامي، بل ولموقف الإسلام من المرأة، ونهج فيها منهج النقد التاريخي، المتحرر من الالتزام بقدسية الوحي، ومفسرًا نصوص القرآن الكريم، والحديث الشريف، وسلوك الرسول عليه السلام وفقًا لمناهج المستشرقين.
وعندما عاد إلى مصر، عمل مدرسًا في الجامعة المصرية، لكنه أُخرج منها عندما نشرت الصحف مقتطفات من أطروحته التي كتبها بالفرنسية، ولم يحاول إطلاقًا إعادة نشرها بالعربية، وكان عضوًا في"جماعة السفور"، وفي الحزب الديمقراطي المصري، وأحد أبرز كتّاب"السياسة".
لكن منصور فهمي أعاد النظر في كثير من قناعاته الفكرية، فعاد ليبدي تفهمًا لحقائق الإسلام بعيدًا عن المفاهيم الاستشراقية التي خيمت على فكره في بواكير الشباب، وراح يعبر عن هذا الموقف منذ نهاية عقد العشرينيات، عبر مقالاته الصحفية، ونشاطه الفكري العام (60) .
-ولا يمكن استكمال صورة الفكر الليبرالي في مصر دون التوقف مطولًا مع تجربة د. محمد حسين هيكل (61) (1888-1956م) ، فقد تتلمذ في السياسة والفكر على لطفي السيد، وفي باريس انفتح على الثقافة الأوروبية بكل تجلياتها، وأبدى إعجابًا بها وحماسًا كبيرًا نحوها (62) ، وساهم في صياغة الفكر الليبرالي في مصر عبر ترجماته المتعددة في الأدب الفرنسي خاصة لأناتول فرانس (63) ، وعبر مؤلفاته، وكان من أهمها"جان جاك روسو: حياته وأدبه" (1921-1923م) . وإن كان جهده الفكري والثقافي الأبرز في رئاسة تحرير"السياسة"، أبرز منابر الفكر الليبرالي في مصر خلال هذه المرحلة (64) .
وإذا كان د. هيكل من أجرأ من عبّر عن أفكاره التحديثية الليبرالية، فإنه أيضًا تمتع بقدر عالٍ من الجرأة في التعبير عن مراجعات فكرية عميقة وجذرية إلى حد ما، في مرحلة العودة إلى الإسلام أو إلى"التوفيقية" (65) في عقد الثلاثينيات، لقد استفزته الهجمة التبشرية على مصر (66) ، فتصدى لها (67) .
وبدأت المقالات الإسلامية تجد سبيلها للنشر على صفحات"السياسة" (68) ، وانطلق يؤلف في الدراسات الإسلامية، فأصدر"حياة محمد" (1932-1935م) ، و"في منزل الوحي"1936م، كما عبر بصراحة عن خيبة أمل عميقة بالحضارة الغربية، وبسياسات الغرب، وبفرص نجاح الثقافة الغربية في البيئة المصرية والعربية (69) .
-ويعد د. طه حسين (1889-1973م) (70) ، من أبرز دعاة الليبرالية والتحديث في هذه المرحلة، فبعد أن درس في الأزهر (1902-1908م) ، غادره إلى الجامعة المصرية، فغادر بذلك ثقافة الأزهر ليتجه في طريق الثقافة الغربية المسيطرة في الجامعة المصرية، ولما انتقل للدراسة في باريس تعمّق التوجه نحو الغرب الثقافي في وجدان طه حسين وعقله.
أبدى اهتمامًا بالفكر الاجتماعي منذ أن أعد أطروحته لنيل درجة الدكتوراه في جامعة السوربون عام 1918م، بعنوان"فلسفة ابن خلدون الاجتماعية"بإشراف عالم الاجتماع اليهودي إميل دور كهايم (71) (1858-1917م) ، كما أبدى اهتمامًا بالفلسفة اليونانية، والفلسفة والفكر الأوروبيين الحديثين. وارتبط بصداقة فكرية وسياسية حميمة مع أحمد لطفي السيد، كما ارتبط بحزب الأحرار الدستوريين، ثم تحول في مطلع الثلاثينيات نحو الوفد (72) .
سخّر طه حسين كل جهوده الفكرية والأدبية والأكاديمية والسياسية، لخدمة الفكر الليبرالي الغربي الذي آمن به، ووقف حياته للدعوة للمفاهيم والقيم الليبرالية، وانخرط طويلًا في معركة"القديم والجديد" (73) .
وكثيرًا ما لجأ إلى الاستفزاز والإثارة، عندما كان يعمد إلى مصادمة الناس في معتقداتهم الدينية، كما فعل في كتابه"في الشعر الجاهلي"، وظلت تطارده تهمة تقديم"دراسات إلحادية"لطلبته في الجامعة، وتسببت في إخراجه من الجامعة عام 1931م (74) ، لكنه ساهم في الحملة على النشاط التبشيري في مصر (75) .
وأصدر في ديسمبر 1033م كتابه على"هامش السيرة"، وقد أتى متزامنًا مع دراسات هيكل في السيرة.
لكن طه حسين لم يظهر شيئًا من المراجعة الفكرية كهيكل، ويصرح بأن هذه الدراسة تأتي في إطار تقديم الدراسات الأدبية الترفيهية، التي تقرّب صورة الأدب العربي القديم للشباب، وتقدم ترفيهًا للنفوس المتعبة؛ فيقول:
"وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل، ولم يرضها المنطق، ولم تستقم لها أساليب التفكير العلمي، فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم خيالهم وميلهم إلى السذاجة، واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها، ما يحبب إليهم هذه الأخبار ويرغبهم فيها، إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على النفس حين تشق عليهم الحياة، وفرق عظيم بين من يتحدث بهذه الأخبار إلى العقل على أنها حقائق يقرها العلم وتستقيم لها مناهج البحث، ومن يقدمها إلى القلب والشعور على أنها مثيرة لعواطف الخبر، صارفة عن بواعث الشر، معينة على إنفاق الوقت واحتمال أثقال الحياة وتكاليف العيش" (76) .
كما أنه نشر في الفترة نفسها كتابة"من بعيد"وهو عبارة عن مجموعة مقالات كتبها خلال أعوام (1923-1930م) ، وصدرت الطبعة الأولى منه عام 1935م، وهو لا يشير إلى أي تحول فكري عن الخط السابق.