فهرس الكتاب

الصفحة 721 من 2255

فضلًا عن هذا فإن التعامل مع لفظ (رعية) بهذا السلق السريع والدعوة إلى أن تخرج الشعوب المسلمة من كونها رعية لتكون مواطنة غير سديد ؛ إن الألفاظ العربية لا تبقى في حدود إطلاقاتها الأولى وإنما تتطور لتتضمن معاني تناسب الصياغات التي تندرج فيها ؛ إن لفظ (الرعية) في الصيغ الشرعية تتضمن معنى حق المرعي على الراعي بالعدل والقيام بالحق وإيفائه حقوقه التي شرعها الإسلام له ، فالنص الشرعي وهو نص ديني عماده التوجيه الخلقي قبل التشريع القانوني يوجه الراعي أن يتحمل مسؤولية إقامة حقوق الرعية تدينًا لله وطلبًا لرضوانه ، ولنتأمل حديث المسؤليات الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الاعظم الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ؛ ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) (24) .

ولأن المسلمين فهموا مثل هذا النص في جوه الديني العام لم ترد عندهم تلك الصورة البشعة التي تمنح الراعي التلاعب بمصائر رعيته كما الراعي بأغنامه ، إن الذي فهموه عكس ذلك تمامًا لقد فهموا أنه دليل على عظم حقوق الرعية وخطورة مسؤولية من تهيأ له إمساك زمام الحكم عليها بل فهموا منه أن الراعي ليس هو الأصل بل الرعية ، وأن الراعي مجرد وسيلة لإقامة حقوق هذه الرعية ،ولنأخذ من كلام هؤلاء العلماء ما نقله ابن حجر في شرح هذا الحديث:

(الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه) ونقل عن الطيبي قوله ( إن الراعي ليس مطلوبًا بالذات وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك فينبغي ألاّ يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه) (25)

مسألة أخرى ، هي الإصطلاح الجاري عند الحديث عن العلاقة بين الدولة والشعب في قضية المواطنة وهو مصطلح (الحقوق) في إطار الفكر المعاصر ، بينما في الإسلام الحديث عن واجبات، وللأسف أنه من خلال استثمار جرس الألفاظ: حقوق ، واجبات ، تقلب الحقائق بحيث يُصور أن هذا يعني عدم وجود حقوق إسلامية في هذا المجال .

وإذا وعينا أساس ارتباط كل من القضيتين (الحقوق والواجبات) بمنطلقها (المواطنة الليبرالية والإسلام ) ، وعرفنا - أيضا - مدى انحصار دلالة اللفظة في منطوقها أو استيعابها لمقابلها ؛ إذا وعينا وعرفنا ذلك أدركنا القيمة الحقيقية لهذين المصطلحين.

فأما وجه الارتباط - بين مصطلح الحقوق والمواطنة الليبرالية فهو عدم وجود مصدر يتجاوز هذين الطرفين يمنح الحقوق ، ومنطق وجود طرفين يتنازعان مصالح بينهما أن يتم انتزاع كل طرف مصالحه من الآخر بحسبانها حقوقًا له إما بأصل وجوده ، أو بالعقد الرابط بين الطرفين .

وهذا خلاف الأمر في الإسلام فمصالح أطراف الوجود الاجتماعي منطلقها هو الله فهو الذي أوجد هذه الأطراف وهو الأعلم بمصالحها ومن ثم المحدد لها والملزم بها ، فالمصلحة التي للفرد على الدولة ، ومقابلها مصلحة الدولة على الفرد هي مطلوبات شرعية من قبل المصدر الذي يخضع له أطراف المجتمع المسلم كلهم حكامًا ومحكومين، والإخلال بها يعرض صاحبه قبل الجزاء القانوني الدنيوي إلى غضب الله واستحقاق عقابه ، من هنا كان لفظ واجبات أصدق إسلاميا ، وأقوى أثرًا نفسيًا من لفظة حقوق.

أما انحصار أي من اللفظين في منطوقهما المباشر بحيث أن الحقوق لا تدل على الواجبات والواجبات لا تعني الحقوق فخطأ واضح ، إن الحقوق في المواطنة الليبرالية تعني أنها إلزامات للطرف المقابل لصاحب هذه الحقوق ، فحق المشاركة السياسية للمواطن - مثلًا - تلزم النظام السياسي بأن يضع الآليات التي تمنح المواطن التمتع بهذا الحق .

والأمر نفسه بالنسبة للواجبات في الإسلام بين أطراف المجتمع ، إنها واجبات من حيث أمر الشريعة بها ، وهي حقوق متبادلة بين هذه الأطراف.

والحقيقة أن القيمة ليست في المصطلحات بذاتها وإنما في المضامين التي تحملها ثم في تجليها في الواقع العملي في الحياة .

حقوق الشعب (المواطنين) على الدولة:

من أبرز هذه الحقوق:

أما حقوق الدولة على المواطنين فمن أهم ما تتمثل به:

البيعة: وهي تمثل تعاهدًا بين المواطنين وحاكمهم على أن يحكم فيهم بالشريعة وأن يقيم الحق والعدل ، على أن يكونوا أوفياء للنظام مغلبين المصلحة العامة التي تتبناها الدولة على المصالح الجزئية الذاتية ، والبيعة بالتالي ليست مجرد توافق يتم وينسى ، إن المطلوب شرعًا أن تظل ملازمة شعوريًا ومن ثم حركيًا للمواطن في كل أحواله .

• الولاء للدولة بحسبانه ولاء للإسلام الذي تتبناه الدولة تطبيقًا ودعوة .

• الإخلاص في العمل للدولة سواء من خلال مؤسساتها أو مؤسسات المجتمع المدني.

• الإسهام في بناء وتنمية الوطن .

• النصح والسعي للإصلاح بالطرق السلمية التي لا تهز استقرار الوطن ودولته .

• الدفاع عن الوطن ضد أعدائه .

• التمثيل الجيد للدولة والمجتمع خارج حدوده .

بناء المواطنة تربويًا:

لم يكن هناك إغفال لبناء المواطنة في المناهج التعليمية ، إذ كانت منبثة في ثناياها ، لكنها اتخذت صورًا تقليدية خاصة وأنها مندرجة في المواد الشرعية حيث تأتي على صورة قيم خلقية ومطلوبات دينية - ومعلوم أن عامة المطلوبات الدينية ذات عموم - دون ربط لها بالإطار الوطني ، لا أقصد حصرها فيه ، و لكن بيان الجانب التطبيقي لها في دائرة الوطن وهي الدائرة الأولى لأغلب تلك المطلوبات ؛ فقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) شامل لكل المسلمين في كل مكان ومع أي إنسان مسلمًا كان أو غير مسلم ، لكنه واقعًا يتبلور في المجال الوطني بأوضح صوره وأولها ، ونهيه سبحانه عن التنازع والتقاطع أيضًا عام ولكنه يصدق بالدرجة الأولى المباشرة على الناس الذين يضمهم مجتمع واحد .

إن المطلوب هو تفعيل قضية المواطنة مستلهمة من الشريعة ومصبوبة في قوالب معاصرة ، فالناس الآن لا يعيشون مع القرآن فقط ولا مع كتب الآداب التراثية وحسب ؛ إنهم يعيشون عصرهم بصيغه الحضارية في حقوق الإنسان ، والمواطنة وغيرها ، ومن ثم يحتاجون خطابًا مواكبًا لعصرهم ، حيويًا، يصوغ الفكرة ومن ثم يحدد الموقف ليحقق مواطنة تجمع بين الإسلامية والعصرية في آن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت