إن أهم مرحلة لبناء (المواطنة الفاعلة) ولسائر القيم هي مرحلة الطفولة والنشوء التي تجعل الشخص يعيش المواطنة فكرةً ووجدانًا ، فكم هم الذين استوعبوا الوطنية فكرًا ويصيحون بها ولكنهم في واقع حياتهم لا يكترثون بها ، بل ربما استغلوها لتحقيق مصالحهم الأنانية ، إن السبب أن هذه القيمة (المواطنة) لم تحتل وجدناهم منذ الصغر بحيث يشعرون أنها الأصل بالنسبة لوجودهم أكثر من شخصياتهم وأن قيمتهم وعزهم يكون بالتضحية لها فضلًا عن بذل الطاقة لخدمتها.
لن أكتب خطة ريادية لبناء المواطنة تربويًا فهذا ما لا يمكن أن يقوم به فرد ، ولكني سأشير إلى بعض العناصر التي لا بد منها لتحقيق بناء المواطنة في الميدان التربوي ، تقوم هذه العناصر في المنهج المدروس ، وفي تدريس المعلم ، وفي أنشطة المدرسة غير الصفية .
طبعًا لا يعني هذا تمييع المصطلحات الشرعية لحساب مصطلحات مستحدثة ، فالحقائق الشرعية هي الاصل لعصرنا ومجتمعنا، و للعصور والمجتمعات الأخرى ، المراد هو أن نفسر الحقيقة الشرعية بالمصطلحات العرفية التي تجعل الطالب يدرك الصور التطبيقية في واقعه لتلك الحقيقة الشرعية ، مثلًا في الشرع ذم للنفاق بكل صوره العقدية إضمارًا للكفر وإظهارًا للإسلام ، والخلقية (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ...الحديث) (28) وتحقيق مصالحه عبر التلون الاستغلالي للناس (إن شر الناس ذو الوجهين..) (29) في وقتنا يوجد مصطلح الانتهازية الذي يدرك الناس تمثلاته سواء على مستوى أفراد العموم أو على مستوى المثقفين والساسة الذين يتنكرون للمبادئ التي يدعون إليها قبل وصولهم لمناصبهم . مثل ذلك الأثرة المقابلة للإيثار ، والأثرة بما تنطوي عليه من شح وبخل وحسد للآخرين أن ينالهم الخير ، هذا المصطلح يرادفه مصطلح الأنانية ، ... إلخ .
? من العناصر المهمة أيضًا في الربط بين معطيات العصر ومطلوبات الشرع، الحقوق؛ حقوق المواطنة ذاتها .
أوضحنا فيما سبق أن تركيز الاتجاه الليبرالي على (الحقوق) دون الواجبات جاء تبعًا لفلسفة الاتجاه التي ترى أن طرفي المعادلة: الدولة والشعب متعادلان وأنهما يتنازعان هذه الحقوق ومن ثم يتقاسمانها ، وليس هناك سلطة عليا تمنحها تلك الحقوق ، وأن الإسلام عكس ذلك فمصدر تلك الحقوق هو الله هو الذي منحها عباده ، وزاد تفضلًا بأن جعلها التزامًا أمامه من قبل من هي مطلوبة منهم فهي واجبات قبل أن تكون حقوقًا .
هذا ما سبق ، لكن ما يحسن تأكيده هنا هو أن هناك خللًا بين طرفي المعادلة - الدولة والشعب - في هذه الحقوق مقارنة بما هو سائد في المواطنة المعاصرة ، حيث الصوت العالي هو لحقوق الدولة على المواطن - عند المسلمين - مع خفوت لحقوق المواطن على الدولة ليس في الإعلام السياسي فقط بل وفي مدونات السياسة الشرعية ، ربما تم ذلك لمقتضيات تاريخية عند المسلمين ، وربما كان استنادًا لكون الحقوق العامة هي الأصل فَوضْعُها بإزاء حقوق الحاكم التي هي حقوق استثنائية إزراء بها، أو لأن الدولة كانت في عصور الإسلام الأولى لما تزل في إطار المشيخة القبلية ولم تتحول إلى مؤسسات تصرِّف تفاصيل شؤون الحياة ، أو لغير ذلك من الأسباب ، لكننا في هذا العصر ، ونحن نسعى لبناء حضاري ذي وجه إسلامي ينبغي أن نتحرر من تحكم ظروف تاريخية مضت لنعود لمصادر الإسلام الأساس وهي القرآن والسنة وهدي الخلفاء الراشدين لنبني من خلالها وفي مواكبةٍ لمعطيات العصر الإيجابية في هذا المجال مواطنة متوازنة الحقوق والواجبات بين عناصر المجتمع ، لتستطيع من خلال موازنتها بحقوق المواطنة المعاصرة تحقيق تفوقها المقنع لفكر الناشئ المشبع لمشاعره الإيمانية .
والمفترض ألاّ تبنى المناهج على ردود أفعال تجاه الأحداث العينية ، بحيث إنه كلما وقعت مشكلة أو برزت ظاهرة طلب أن يزاد في مفردات المناهج ما يعالجها، ينبغي أن تبنى المناهج على المضامين الكلية التي تعطي الطالب في قضية ما أسسها العامة ، وتوصيفها الواقعي ومنطلقاتها التنفيذية ، بحيث تجعل شخصيته قادرة على معالجة كل ما يعرض له من مفاجئات العصر .
ولعل هذا السبب من الخلل في مناهجنا - ضمن أسباب أخرى لا ريب - هو الذي يجعل أبناءها على الرغم من كثافة المعطى الديني والثقافي في المناهج من غير حصانة أمام الاختراق ، وبلا قدرة على الفرز للضخ العولمي بالدرجة المطلوبة للمسلم الفقيه في دينه الواعي لعصره ، المستبصر لحركته فيه.
? المنهج التعليمي دائر بين الجانب التربوي ذي المنحى العاطفي ، والجانب المعرفي ذي المنهج الفكري ، والمفترض تكامل الجانبين معًا خاصة لمراحل التعليم ما دون الجامعة ، لكن بعض القضايا تحتاج تكثيفًا لأحد هذين الجانبين ، وقضية الوطنية والمواطنة تحتاج لتكثيف الجانب العاطفي فيها الذي يجعل الناشئ يشعر أن وطنه هو بيته ، هو أهله ، وأن تفريطه بحقه تضييع لملكه ولأهله وبيته ، لنأخذ مثلًا هذه الطرفة التي يقال فيها: إن مدرسًا في بريطانيا كان يستخدمها في تدريس طلابه في مادة الجغرافيا ؛ حيث كان يربط ذلك بحركة بريطانيا الاستعمارية ، مثلا يقول: هذه الدولة استعمرها أجدادكم وأعطوها وأخذوا منها ، وهذه الدولة لم تستعمرها بريطانيًا ولذا فهي تنتظركم مستقبلًا …