فهرس الكتاب

الصفحة 723 من 2255

ويحسن بنا في مجال (العاطفة) أن نعي اللون العاطفي الذي يبنيه الإسلام في نفوس المسلمين من خلال ربط المسلم بقضايا الوجود الكبرى ، أمانة العبودية، والخلافة في الأرض ، والسيادة على الكون حيث تتراجع بعناصر أخرى تبدو لدى غير المسلم لها اعتبارها مثل الأشياء الفلكلورية ، والمقتنيات الحفرية معدنية وفخارية ونحوها حيث تبدو تافهة لدى المسلم ، ويعتبر الانشغال بها تلهيًا بالذي هو أدنى عن الذي هو خير ولهذا فإن تكريس الوطنية ومن ثم المواطنة من خلال هذه الأشياء وضع للأشياء في غير مواضعها الصحيحة وإيراد للإبل في غير مواردها .

? لا بد لتبني التربية مواطنة إيجابية لدى الناشئة من الارتباط بالواقع القائم ارتباطًا معرفيا ، وحركيًا.

• لابد من التشريع للمتضمنات العملية للمواطنة ، في المشاريع التنموية ، في الجندية ، في الرعاية الاجتماعية ... إلخ .

• ثم لا بد من التعريف بهذه المتضمنات وبأنظمة الدولة ومؤسساتها بما يجعل الناشئ يعايش وطنه .

• ومثل ذلك الارتباط الميداني - زيارات - مثلًا - لإمارة المنطقة ، لبعض المؤسسات - أفلام عن خطط التنمية الوطنية .

• أيضًا كشف العطاء وتمجيده ، سواء كان عطاء الدولة للشعب ، أو كان عطاء المواطنين لوطنهم على أن يكون صادقًا.

• هناك جانب مهم في هذا الشأن يتمثل في التعامل غير الواقعي مع متغيرات الزمن ، إننا نتحدث كثيرًا عن الأمن في بلادنا وتفوقه على كل بلاد العالم وربما نقارن بما كان قبل توحيد المملكة من النهب والسلب والقتل ، ونذكر الصورة المثالية في الأمن حيث يظل الكيس في البرية شهورًا لا يمسه أحد نتيجة الانضباط الأمني ، مع أننا ندرك أن هؤلاء الشباب يعيشون ، وضعًا ليس بهذه الصورة وأن سرقات السيارات والبيوت ، وعجز الاجهزة عن ضبط كثير من هذه الحالات ، وكثرة ظاهرة القتل موجود ويدركه هؤلاء .

إن المنطق السليم يقضي بأن نعترف بأن الأوضاع قد تغيرت وتعقدت وتوسع المجتمع ، وأن نبين إيجابية الأجهزة الأمنية في الحدود المعقولة والصحيحة ، حتى لا تنغلق العقول عن قبول التبريرات والأمجاد التي نذكرها لهم .

? المواطنة والولاء للأمة المسلمة:

هل (المواطنة) في منظورها الإسلامي أو بتعبير أوضح هل اجتماعية المسلم في إطار دولته مناقضة لولائه لأمته الإسلامية ووحدتها ؟

أو حتى مُشغلة عن السعي لها ، أو ما دون ذلك أنها لا تمثل بعض وسائل تحقيقها؟ إننا حينما نتجاوز الصراع بين المتقابلات المفترضة (مجتمع - أمة - مثلًا) وعندما نتحرر من ردة الفعل تجاه معطيات العصر الوافدة نجد أن المعاني التي يجمعها كونها آداب مجتمع متجانس ، أو حقوقًا لمواطنين في بلد واحد مثل:

• النظرة الإنسانية للآخرين في كرامتهم الأولية ، فضلًا عن أخوتهم الإسلامية .

• صيانة حقوق الناس دماءً وأعراضًا وأموالًا وبيوتًا .

• حفظ الممتلكات العامة والمنافع المشتركة من التدمير أو الإتلاف .

• التعاون المشترك بين الدولة والرعية على تحقيق المصالح الشرعية لأهل البلد.

• تحقيق الدولة للعدالة والشورى ، وتطبيق الشريعة في شؤون الحياة .

• التزام المواطنين بالبيعة لحاكمهم المسلم وطاعته في غير معصية الله .

• الدفاع عن الوطن والاستشهاد في سبيل الله ذودًا عنه ودفعًا لأهل الشر عن احتلاله .

• صيانة المكتسبات الشرعية في تطبيق الإسلام ودعمها والارتقاء بها ... إلخ.

نجد أنها مطالب شرعية قررها الدين قبل دعوات الداعين لها كفارًا أو مسلمين، فهي دائرة بين واجبات بنص القرآن والسنة ، وبين مطالب تقتضيها المصالح الشرعية ، وكلها وسائل مدعمة لمطلب وحدة الأمة إذا ما قامت مثل هذه (المواطنة) في مجتمعات المسلمين ، والتقصير في شيء منها هو تعويق لوحدة الأمة وتحقق وجودها الأفضل .

إن من أسباب النظرة التخوفية من مسائل المواطنة ، ومن الاهتمام بقضايا المجتمع الذي يعيش فيه المسلم حدة مواقف القوميين ودعاة الوطنية الضيقة الذين تحولت عندهم إلى عصبية منافرة للإسلام وإلا فإن أولئك الدعاة الرافضين للوطنية والقومية بمفاهيمها العلمانية الغربية يعلنون أنهم لا ينكرون ما للأهل والعشيرة والأوطان من حقوق في رقاب أهلها؛ يقول المودودي بعد دحضه فكرة القومية الوطنية المنابذة للدين (ولكن لا يوهمنك ما قلنا إلى الآن أن الإسلام قد نفى كل العلاقات المادية والإنسانية بين أبناء النوع البشري وقطعها قطعًا باتًا . كلا ، فإنه قد أمر بصلة الرحم وشدد في النهي عن قطعها ، وأمر بطاعة الوالدين وبرهما والإحسان إليهما ، وأجرى الوراثة بين ذوي الأرحام وفضل ذوي القربى على غيرهم في الصدقات والبذل والإنفاق ، وأمر بالذود عن الأهل والمال والبيت، وأمر بقتال الظالم ، وقال: من قتل دون ماله وعرضه ، فهو شهيد ، وأمر بالبر لكل إنسان بدون الاعتبار بدينه ، والإحسان إليه وحسن التصرف معه في جميع شؤون الحياة . ولا يمكن أن يستخرج من أي حكم من أحكامه أنه ينهى عن خدمة الوطن وحفظه أو عن مسالمة الجار غير المسلم وبره( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة 8 .

فكل هذا من الاعتبارات الفطرية للعلاقات المادية وقد أباحها الإسلام وحث عليها المسلمين) (30) .

وقد يكون من أسباب التخوف أيضًا ما استقطب القوميون العرب إليه الإسلاميين في مواجهة الأولين لتيار الصحوة الإسلامية وهو مشكلة الأقليات غير المسلمة في بعض المجتمعات الإسلامية، والتلويح بها في وجه المناداة بتطبيق الشريعة الإسلامية بحجة أن في هذا هضماَ لحقوقهم وتفريقًاَ بين أهل الوطن الواحد، وهو الاستقطاب الذي على الرغم من وضوح عدم صدق القوميين في طرحه لأن دعوتهم القومية لم تراع حقوق الأقليات غير العربية ولم تكترث بها بل دعا بعضهم إلى إدماجهم بالقوة -على الرغم من ذلك - فقد انساق مجموعة من الكتاب الإسلاميين معهم فصارت قضية المواطنة لديهم محصورة في (حقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي) . ومع أننا لا نشك في حسن نواياهم ولا في جدية كثير من الاجتهادات التي قدموها في هذا المجال إلا أن هذا الانسياق جعل قضية المواطنة محصورة في فهم كثير من الناس في قضية الأقليات غير المسلمة ، ثم إنه شغلهم عن القضية الأصل وهي حقوق الأكثرية الساحقة وهم المسلمون الذين يبلغون أحيانًاَ التسعين أو الخمسة والتسعين أو الثمانية والتسعين أو حتى المئة في المئة في بعض الدول كالمملكة العربية السعودية مثلًا.

وقد يكون التخوف آتيًا من اللفظ الذي ارتبطت به هذه القضايا وهي لفظ (المواطنة) حذرًاَ من تصور الوطن نفسه مصدر تلك الحقوق بجعله إلها مشرعًا بديلًا ، والحق هنا أن الوطن مجرد وعاء يجمع الناس ويتبادلون في إطاره تلك الحقوق والواجبات ، أما مصدرها فهو شيء آخر ؛ فلسفة ، أو دين ، يعيشه أفراد ذلك المجتمع ؛ فالمواطنة في الغرب ترتد إلى الفلسفة الليبرالية التي يمثل فيها الفرد وحدة مستقلة ، لحقوقها الاعتبار الأعلى وأهمها الحرية التي ينبغي أن تصان ما لم تكن خطرًا على حريات الآخرين ، وعلى هذا تقوم النظم الديمقراطية ، أما في الإسلام فمصدر الواجبات والحقوق المتبادلة في المجتمع المسلم هو الإسلام بما وضعه من قيم خلقية ، وأحكام تعاملية بين الأفراد أو بين الحاكم والمحكوم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت