فهرس الكتاب
من أهم المقولات عند غلاة المدنية قولهم (يجب أن نعمل للإنسان بما هو إنسان, بغض النظر عن هويته وعقيدته ودينه) ويرددون كثيرا لفظ"الإنسان"بصيغة مطلقة بدون إضافات تقيد أو تخصص, ويحمل بعضهم شعار"الأخوة الإنسانية"او"الآدمية المشتركة"أو"المذهب الإنساني"ونحوها من اللافتات التي تدور حول هذا المعنى.
والواقع أن هذه الدعوة -وإن كان البعض يرددها بحسن نية- إلا أنها تضمر سلخ الأوصاف القرآنية القطعية التي ميز الله على أساسها بين الناس وفاوت في العلاقات طبقًا للتفاوت فيها, كوصف المؤمن والمسلم والفاسق والكافر والمشرك والمنافق, ووضع هؤلاء جميعًا في مرتبة واحدة بناء على اشتراكهم في الإنسانية, ليصبح المسلم واليهودي والوثني على حد سواء لا فرق بينهم طالما أنهم يعملون لسعادة الإنسانية والسلام البشري!
يا ترى كم من الآيات يجب أن ننزعها من المصحف ليمكن للمرء تقبل هذه الدعوة؟ إن مجرد التأمل في هذه الدعوة وتصور مآلاتها ومؤداها كافٍ لردع المسلم -الذي يقدر الله حق قدره- عنها والتبرؤ منها.
لقد بين كتاب الله بشكل جلي واضح أن الإنسان إذا أعرض عن الإسلام والوحي فقد تكريمه الفطري الكوني الذي ذكره تعالى في قوله {ولقد كرمنا بني آدم} وأصبح مهانًا منحطًا في نظر الله ونظر أهل الإيمان, ولذلك لم تأت الشريعة بالمدح والتعظيم المطلق لـ"الإنسان"كما يتوهم بعض غلاة المدنية, بل إن القرآن بين في مواضع كثيرة ذم"الإنسان"إذا فقد شرف الإيمان ومن ذلك قوله تعالى:
{قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ} [عبس:17]
وقوله تعالى:
{وَكَانَ الإنسان كَفُورًا} [الإسراء:67]
وقوله تعالى:
{إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُبِينٌ} [الزخرف:15]
وقوله تعالى:
{إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُود}
وقوله تعالى:
{كَلا إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى}
ومن تدبر المواضع القرآنية التي ورد فيها مفهوم"الإنسان"وجد أن الله سبحانه وتعالى يذم جنس الإنسان بمذام متنوعة ثم يستثني من عموم هذا الذم أهل الإيمان.
ومن ذلك أن الله تعالى تعالى أقسم بالزمان على أن الإنسان في خسارة تامة كما قال تعالى:
{وَالْعَصْرِ, إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ}
ثم أتبعها باستثناء أهل الإيمان من هذه الخسارة فقال:
{إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}
وذم الله جنس الإنسان بصفة الهلع والجزع والشح ثم استثنى أهل الإيمان كما قال تعالى:
{إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا, إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا, وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا, إِلا الْمُصَلِّينَ} [المعارج:19-22] .
وذم الله جنس الإنسان بصفة القنوط والجحود والبطر ثم استثنى أهل الإيمان كما قال تعالى:
{ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نزعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ, وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ, إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}
وذم الله جنس الانسان بصفة الظلم والجهل, ثم أعقب ذلك بالتمييز التفصيلي في جنس هذا الانسان الظلوم الجهول على أساس الموقف الديني فقال تعالى:
(وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا, لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
وهذا المعنى المتضمن ذم جنس"الانسان"ثم استثناء أهل الايمان له نظائر كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, بل إن الله هدد الإنسان تهديدًا مدويًا بقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}
ولذلك لما سمع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رجلًا يقرأ هذه الآية قال: (غره والله جهله) والذي يبدوا أن عمر استنبط هذا المعنى من الآيات التي وصفت"الانسان"بالجهل كما سبقت الاشارة لبعض تلك الآيات.
فكيف يقال بعد ذلك أن الله كرم"الإنسان"وفضل"الإنسان"بغض النظر عن هويته الدينية, وأن الأديان لا تؤثر في كرامة الإنسان إيجابًا ولا سلبًا, وأننا يجب أن نعمل لمفهوم"الإنسان"بغض النظر عن عقيدته, أو قول بعضهم لا تجعلوا الرأي الشخصي يفرق بين أبناء آدم, أليس في ذلك مشاقة لكلام الله سبحانه وتعالى الصريح؟
ومن الإنصاف أن نقول أن بعض الكتاب الذين يرددون هذه المقولة لم يتنبهوا لمضامينها المصادمة للميزان الإلهي, ولم تخطر ببالهم الآيات القرآنية في ذم الإنسان إذا فقد الإيمان.
وأتذكر أحد الكتاب المأخوذين بقضية الحضارة كان يردد في فترة سابقة: أن الإسلام السياسي همش"الإنسان"بينما القرآن كرمه وأعلى قدره, فكان يحاول أن يزاحم في قضية التأصيل ذاتها, ثم لما اصطدم بسيل الآيات القرآنية في منزلة غير المؤمن, تحولت نغمته السابقة وأصبح يردد: للأسف أن الإنسان في نصوصنا الدينية منزوٍ مهمش لا قيمة له, فتحول من إدانة الإسلاميين المعاصرين إلى إدانة نصوص الكتاب والسنة.
هذه الإلماحة السابقة إنما هي إشارة مختصرة لصلة هذا المذهب الإنساني بأصول الوحي, أما صلته بالواقع فالمذهب الإنساني في الحقيقة رؤية رومانسية حالمة, إذ لا يوجد أصلًا دولة من الدول اليوم شرقيها وغربيها تعمل للإنسان المطلق, بل تجدها تميز في الجنس الإنساني إما على أساس وطني أو قومي أو عرقي أو غير ذلك من المقاييس, فكيف نتقبل تمييز هذه الأمم بين المواطن وغير المواطن, ولا نقبل تمييز الله بين المسلم والكافر؟!
ومن أهم الآثار السلبية لهذه الدعوة أنها تضيع الثواب والأجر عند الله للعامل, فبدلًا من أن يعمل الإنسان لنفع المسلمين مبتغيًا الثواب عند الله, يصبح يعمل لنفع الناس مسلمهم وكافرهم بهدف إنساني محض لا بهدف التقرب لله.
ومن قدر له أن يعايش بعض الغربيين ولو لفترة محدودة, ويحاورهم حول تصوراتهم عن غاية الحياة, ومعنى السعادة, ووظيفة المال, وقيمة الإيمان, وتفاصيل نظامهم الاجتماعي, فستتأكد له الصورة التي رسمها القرآن عن شخصية الكافر.
من رأى أولئك الكفار لاهثين في لجام الملاذ, منكبّين على الموائد, لايبالون مأتاها ومخرجها, ولا يرفعون رأسًا بطيباتها من خبائثها, ويتضاحكون عاليًا في ليلة غاب عنها القمر, ولم يستعدوا للقاء الله طرفة عين, فسيفريه العجب فريًا وهو ينظر إليهم ويتذكر قوله وتعالى في سورة محمد:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ}
فعلًا والله.. ألا ماأعظم هذا التشبيه الإلهي, أرأيت كيف تغيب رؤوس الأنعام في قلال العشب لا ترفع أعناقها إلا لتعود مرة أخرى, ليست مهمومة بلقاء الله, ولاتفكر في خالق ولا نبي ولا وحي ولا عبادة ولا بعث ولا حساب ولا عذاب ولا مستقبل أخروي حتى يفجؤها يومٌ يقتص فيه للشاة الجلحاء من الشاة القرناء, فتلك حياة الكافر.
وانظر إلى كتاب الله كيف يعيد سبحانه هذا التصوير والتشبيه بالأنعام مرة أخرى, مشيرًا إلى علة ذلك وهي استغراق هؤلاء المساكين عقولهم وحواسهم في تدبير معاشهم الحاضر والإعراض عن الاستدلال بها على الله والاستعداد للقائه في الحياة المستقبلية القريبة, بل جعلهم هذه المرة في مرتبة أحط من مرتبة الأنعام كما قال سبحانه في سورة الأعراف: