فهرس الكتاب

الصفحة 820 من 2255

{لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا, وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا, وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا, أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ, بَلْ هُمْ أَضَلُّ, أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}

ويأتي سبحانه مرة ثالثة بذات التشبيه, وذات التعليل, وذات المرتبة, فيقول سبحانه في سورة الفرقان:

{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ, إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ, بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا}

بل زاد سبحانه وتعالى في بيان دناءة وخسة مرتبتهم فجعلهم سبحانه في مرتبة أسوأ الدواب فقال في سورة الأنفال:

{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}

وقال في موضع آخر من الأنفال:

{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}

وفي موضع آخر من كتاب الله شبه الله سبحانه وتعالى نوعًا من الكفار بأرذل من ذلك فقال سبحانه في سورة الجمعة:

{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ}

وضرب الله سبحانه مثلًا آخر أشد بشاعة لنوع آخر من الكفار وهم الذين بلغوا مرتبة من العلوم ولكنها لم تقدهم إلى الإيمان بالله, فشبههم بما هو أقبح من كل ماسبق, فقال سبحانه في سورة الأعراف:

{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}

فكل من أعرض عن هذا الإسلام ونور الوحي فهو في هذه المرتبة المنحطة, ولذلك وصفهم الله بالرجس لما تبرمت صدورهم عن قبول الإسلام, كما قال سبحانه في سورة الأنعام:

{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام , وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء, كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}

وذكر الله عنهم هذا الرجس أيضًا في سورة يونس أيضًا فقال سبحانه:

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ, وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}

فيالله العجب, كيف صار كثير من الأذكياء في مرتبة الأنعام والدواب في المعيار الإلهي؟! بل جعل بعض هذه أحيانًا أشرف منهم! آيات قرآنية كأنها ضرب من الخيال في عصر الأنثربولوجيا الفرانكفونية, لكنها حقائق الوحي..

هذا بعض من صورة"الكافر"في كتاب الله, وهذه مرتبة الكافر في المعايير الإلهية, وهي فقط نماذج أوردتها للمقارنة بفكرة المذهب الإنساني الذي لا يفرق في جنس الإنسان على أساس الإيمان والكفر, ليتبين حجم التناقض والهوة التي ارتكبها هذا المذهب البائس.

فكم هو شعور عاصف بالألم حين يكتشف الإنسان أن معاييره غير تابعة للمعيار الإلهي, فيتفاجأ بمشاعره وأحاسيسه الداخلية تعظِّم من قد حطَّ الله منزلته, وتستهين بمن رفع الله شأنه!

فكيف نكرم من قد أهانه الله, والله تعالى يقول:

{وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} .

يتيبس الذهول في نظرات المرء حين يرتطم بكارثة معاييره وموازينه الشخصية وهي تتعارض مع معايير وموازين جبار السموات والأرض.

وإن كانت تلك المعايير والموازين الشخصية في كثير من الأحيان معايير مضمرة غير معلنة, لكنها حقيقة غامضة تتنكر في زي التمدن, وتمتح من نبع الهوى, وتظهر آثارها في خلجات الترحيب واستبشار الوجوه.

هذه حقائق الوحي, وهذا حكم الله وقراره, وهذا قضاء جبار السموات والأرض, إن كنا فعلًا نؤمن بالله, ونفخر بمضامين كلامه سبحانه, ونلتزم بمقرراته, ونقدره حق قدره.

أما التحرج من حقائق الوحي, والتدسس عنها مجاملةً لوسائل الاعلام, وتربيتًا على أكتاف الذوق الجماهيري الحديث, فلن تغير من حقائق الوحي شيئًا إلا إن استطعت أن تحجب الشمس بكف أرعشها الخجل.

أفيكون ربنا سبحانه أهون الناظرين إلينا فنجاملهم على حساب وحيه وحكمه وقضائه سبحانه, كيف ونحن نقرأ معيار صريح الإيمان (ثم لايجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت) ؟!

ومما انبنى على هذا"الميزان الإنساني"أن بعض غلاة المدنية إذا تعرض لبعض الشخصيات غير المسلمة ذات الوزن التاريخي إما بسبب منجز معرفي أو بسبب نزعة سلمية فإن بعضهم يتجرأ ويجزم بأنه في"الجنة"وأنه لا يمكن أن يدخل"النار"حتى لو كفر بالإسلام.

ومن الإنصاف أن أذكر أن ثمة فئة من غير المسلمين صادقة في أحاسيسها ومشاعرها, ومخلصة في بذلها لا تطلب مصلحة, ولا حمية لقومها, ولا رياء وظهورًا, ولا حبًا في الذكر الحسن, ولا جاهًا عند الناس, ولا طلبا لاحترام الآخرين, وإنما هي نزعة إنسانية رؤوفة محضة من بقايا الفطرة الربانية فيهم, وهذه الفئة المتجردة من حظوظ النفس -وان كانت محدودة عزيزة الوجود بطبيعة الحال- إلا أنه ماذا ستنفعها كل أخلاق الدنيا طالما أنها كافرة بـ"نبوة محمد"صلى الله عليه وسلم؟! ماذا تنفع الإنسان كل أعمال الدنيا إذا كانت نفسه لم تعمرها الضراعة والإخبات ولم تتزك بالعلم بالله ومعاملته سبحانه وتعالى؟!

هذا"أبوطالب"لم يؤذِ مسلمًا واحدًا, بل كان أذاه للكفار, فقد كان سندًا لرسول الله صلى الله وسلم في دعوته فنصره وحامى عنه, وتلطف له وأحبه, بل لقد كان في نفسه يعلم صدق خبر محمد عن نبوته, وبذل جاهه وشيئًا من سمعته في سبيل الذود عنه, بل وأوذي فيه, وما تطاول الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات ابوطالب, ومع ذلك هو في ضحضاح من نار, بل لقد نهى الله ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي انتفع بحمايته من أن يدعوا له, ولم يجعل ذلك أبسط الوفاء له! وماذاك إلا لأنه أعرض عن الانصياع التام لحكم الوحي.

وهذا عبدالله بن جُدعان ملأ الجزيرة العربية بالأعمال الإنسانية المحضة من إغاثة الملهوفين وإيواء الضعفة ومع ذلك لم ينفعه ذلك لأنه لم ينكسر يومًا بين يدي الله كما روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين, فهل ذاك نافعه؟ فقال صلى الله عليه وسلم:

(لا ينفعه, إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)

وهذا حاتم الطائي كان يتعشق الإحسان للناس في جزيرة قاحلة, ويبذل من ماله الخاص ليطعم الجائع ويكسو العاري, ومع ذلك لم ينفعه ذلك في ميزان الله لا لشيء إلا لأنه لم يؤمن بالوحي, فقد روى أصحاب السير أنه لما وصلت"سبايا طيء"وقفت ابنة حاتم الطائي وقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبي كان يحمي الذمار, ويفك العاني, ويشبع الجائع, ويكسو العاري, ولم يرد طالب حاجة قط, أنا ابنة حاتم طيء, فقال رسول الله:

(يا جارية هذه صفة المؤمنين حقًا, ولو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه..)

فليس لأعماله وزن في ميزان الله لأن"قبول هذه الأعمال معذوق بالإيمان"كما يعبر ابن كثير رحمه الله ..

لن يغني هؤلاء الإنسانيين -على قلتهم- أنهم مؤمنون بالله, أو أنهم لم يشركوا بالله في عبادته, أو أنهم قدموا نفعًا للبشرية -كما يقوله بعض المفكرين- طالما أنهم لم يؤمنوا بـ"نبوة محمد"صلى الله عليه وسلم .. ولذلك قال مفسر المعتزلة العلامة جارالله الزمخشري:

(من لم يجمع بين الإيمانين: الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر)

وقد دل على ذلك قوله تعالى في سورة الفتح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت