ولا يقال طبعًا إنه لا يمكن الجزم بمعرفة الإيمان مثلًا ونحوه من الأعمال القلبية, وأننا لم نؤمر بالتنقيب عن قلوب الناس, فإن الإيمان ونحوه من الأعمال القلبية له نوعان من الأحكام: أحكام أخروية كالجزم بمصير المعين في جنة أونار, فهذا إلى الله.
وأحكام دنيوية كالموالاة والشهادة له بالخير فهذا يعرف في الدنيا وتعلق عليه أحكامه بالنظر إلى آثاره والتوسم في أماراته وآياته في الشخص المعين, ولذلك قال تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الْكُفَّارِ}
فدل على إمكانية معرفة ظاهر الإيمان في الشخص المعين بالتوسم في أماراته, لا بالتنقيب عما استتر من مكنوناته.
ومما ينبغي التنبه له أن الولاء في الشريعة ليس على درجة واحدة كما يتوهمه غلاة المدنية, بمعنى ليس درجة واحدة يستوي فيها كل مسلم, بل الولاء للمسلمين درجات, فيتفاوت بحسب مافي المسلم من الإيمان والعمل الصالح وموالاة الوحي والقرون المفضلة, وهو نظير كون البراء والمعاداة تتفاوت بحسب ما في الكافر من مسالمة ومحادة ونحوها.
وهذا المعنى ظاهر في آيات القرآن وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحابه, وقد دلت على ذلك آيات"عامة"يدخل فيها المسلم وغيره, وليست مختصة بالكافر, فقد ذكر الله سبحانه أن المؤمن والفاسق وإن كانا يشملهما اسم الإيمان لكنهما لايكونان في منزلة واحدة كما قال تعالى:
{أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ}
وقال تعالى في سورة الجاثية:
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
وقال تعالى في سورة ص:
{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ}
ثم قال بعدها:
{أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}
ومن المعلوم أن مطلق الفسق واجتراح السيئات والإفساد في الأرض والفجور كلها لا تخرج المسلم بمطلقها من الإسلام، فيبقى صاحبها مشمولًا بهذا التمييز في المنزلة والمكانة عند الله, وميزان المسلم تبع لميزان الله تعالى.
وتفاوت الولاء فرع عن تفاوت المنزلة الدينية الظاهرة, ولذلك فإن الله تعالى فاوت الولاء بحسب منزلة المؤمن فقال سبحانه:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ, وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}
فانظر كيف جعل صيغة العلاقات تتفاوت بحسب التفاوت في درجة الإيمان والمجاهدة, فمن آمن وهاجر كانت له الموالاة التامة, ومن آمن ولم يهاجر نقصت ولايته بقدره, فكيف بمن اشتغل بإثارة المشتبهات وتزيين الفنون الغربية وتسويغ ما تضمنته من الفواحش والقيم المنحطة.
وهكذا كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في التعامل مع المسلمين في عصره فإنه يزيد في موالاة المسلم بحسب قيامه بشعائر الدين الظاهرة, وينقص في موالاته للمسلم بقدر نقصه في أمر الله.
ولذلك هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه خمسين ليلة -كما في البخاري ومسلم- حتى قال الطبري: (قصة كعب بن مالك أصل في هجران أهل المعاصي) .
ولما قالت زينب للنبي صلى الله عليه وسلم:"أنا أعطي تلك اليهودية"تعيب بذلك صفية, هجرها النبي زهاء شهرين فقد روى الامام ابوداود عن عائشة قالت:
(اعتل بعير لصفية بنت حيي, وعند زينب فضل ظهر, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب: أعطيها بعيرا, فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر)
والحقيقة أن التطبيقات الخاطئة في فهم تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكياته في سيرته, خصوصًا في مثل هذه القضايا, يجب أن لا تدعونا للانقلاب على هذا الأصل كله, فقد كان هذا منهج أئمة القرون المفضلة فقد استفاض عنهم تفاوت الولاء بحسب قيام المسلم بالكتاب والسنة, ونقص موالاته بحسب ابتعاده عنها, وقد لخص الغزالي القدر المشترك في هذه الأخبار المستفيضة فقال في عبارته الجميلة:
(طرق السلف اختلفت في إظهار البغض مع أهل المعاصي، وكلهم اتفقوا على إظهار البغض للظَّلَمة والمبتدعة، وكل من عصى معصية متعدية إلى غيره) .
ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه أن الصحابي الجليل عبدالله بن عمر لما أخبره يحيى بن يعمر عن قوم أنكروا القدر قال ابن عمر: (إذا رجعت إليهم فقل لهم: ابن عمر يقول لكم: إنه منكم بريء، وأنتم منه براء) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(وأما إذا أظهر الرجل المنكرات: وجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك من هجر وغيره ، فلا يسلم عليه، ولا يرد عليه السلام، إذا كان الفاعل لذلك متمكنًا من ذلك من غير مفسدة راجحة, وينبغي لأهل الخير والدين أن يهجروه ميتًا كما هجروه حيًا، إذا كان في ذلك كف لأمثاله من المجرمين, فيتركون تشييع جنازته، كما ترك النبى - صلى الله عليه وسلم - على غير واحد من أهل الجرائم ، وكما قيل لسمرة ابن جندب: إن ابنك مات البارحة، فقال: لو مات لم أصل عليه ، يعني لأنه أعان على قتل نفسه فيكون كقاتل نفسه، وقد ترك النبي الصلاة على قاتل نفسه, وكذلك هجر الصحابة الثلاثة الذين ظهر ذنبهم في ترك الجهاد الواجب حتى تاب الله عليهم ، فإذا أظهر التوبة أظهر له الخير) .
فسائر ما روي من جنس هذه المواقف التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحابه وأئمة القرون المفضلة إنما هو نوع من"البراء الأصغر"الذي يدور مع علته وجودًا وعدمًا, وهو مرتبط أيضًا بالمصلحة الشرعية فإذا عارضته مفسدة راجحة لم يكن محمودًا.
وانعكاسًا لتفاوت الولاء بحسب تفاوت المنزلة, فإن العقوبة على التعرض للمؤمنين تتفاوت بحسب تفاوت منازلهم أيضًا, فهو مطرد منعكس, فمن عادى وليًا لله ليس كمن عادى مسلمًا فاجرًا, ولذلك قال تعالى في الحديث القدسي (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) .
على أية حال .. فإن تفاوت الموالاة وتفاوت المعاداة هما فرع عن الأصل العظيم الذي ينتظم الشريعة كلها, وهو أصل العدل والقسط, فالشريعة لا تسوي بين المختلفين كما أنها لا تفرق بين متماثلين, وهو معنى الميزان الذي ذكره الله سبحانه في عدة موضع من القرآن, كقوله تعالى:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}
وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ}
وقوله تعالى: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ}
وهذه النصوص الشرعية تكشف سقوط دعوى غلاة المدنية حين قالوا أن البراء لايكون إلا من الكافر أو من الكافر المحارب, أو أن الولاء للمسلمين لا يتفاوت.
على أنه لو لم ترد تلك النصوص الخاصة في البراء الأصغر, فإن الاستدلال بالنصوص الواردة في البراء الأكبر على البراء الأصغر كافٍ في بيان الحق, وهو من ضرب الأمثال التي أشار القرآن إلى كونها تبيانا لكل شئ, فهو استدلال ببعض المعنى لا أنه قياس شمول ولا قياس أولى, فيؤخذ من جزء الحكم بقدر ما تحقق من جزء العلة إذا لم يوجد ما يعارضها.