وهذا النوع من الاستدلال كان من منهج النبي صلى الله عليه وسلم وفقهاء أصحابه وعموم أئمة القرون المفضلة, فكانوا يستدلون بما نزل في الشرك الأكبر على الأصغر, ويستدلون بما نزل في عقوبات الكفار بأوصاف معينة على من شاركهم من المسلمين في عين ذلك الوصف.
ففي سنن الترمذي عن أبى واقد الليثى أن النبي وأصحابه لما مروا بالكفار وهم يتبركون بشجرة ذات أنواط طلب بعض الصحابة أن يكون لهم شجرة يتبركون بها, فهذا التبرك الذي طلبوه كان شركًا أصغر, ومع ذلك فقد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم واستدل بآية نزلت في الشرك الأكبر فقال صلى الله عليه:
(قلتم و الذى نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة قال أنكم تجهلون)
ولما رأى الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رجلًا من المسلمين في يده خيط يستعمله كتميمة, قطعه وتلا قوله تعالى (ومايؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فاستدل بما نزل في الأكبر على الأصغر بجامع بعض المعنى.
ولما سئل ترجمان القرآن عبدالله ابن عباس عن قوله تعالى في سورة البقرة (فلاتجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) قال: هو كقول الرجل"لولا الله وأنت"ففسرها بقادح أصغر, برغم كونها في القادح الأكبر, لاشتراكهما في أصل التفات القلب لغير الله.
وعندما مر علي بن أبي طالب بقوم يلعبون الشطرنج على وجه محرم يفضي لترك الواجب الشرعي نهاهم وتلا قوله تعالى (ماهذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) فاستدل بآية في الشرك على المعصية بجامع شدة التعلق المفضي لانتقاص قدر الله جل وعلا.
وفي قوله تعالى (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) قال غير واحد من السلف كعلي بن أبي طالب والضحاك وغيرهم هم"الحرورية", برغم كون الآية نزلت قبل أن يخلق الحرورية أصلًا, وذلك منه رضي الله عنه استدلال بمانزل في الأكبر على الأصغر, بجامع بعض المعنى.
وهذا الوجه من الاستدلال بما نزل في الأكبر على الأصغر بجامع اشتراكهما في أصل المعنى شائع مستفيض في فقه القرون المفضلة, ومن طالع التفاسير الأثرية المعنية بنقل تأويل النبي وأصحابه والتابعين رأى كثرة ما فيها من هذا الضرب من الاستدلال.
وكثير من الكتاب اليوم يظنون أن"النفاق"الذي تحدث الله عنه في القرآن وأسهب في تصويره إنما هو النفاق المحض الذي هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام, وتبعًا لذلك يستبعدون وجوده ويستعظمون استحضار هذا المصطلح الشرعي, ويهولون على من ينبس به.
والواقع أن النفاق ليس محصورًا في النفاق المحض, فإن النفاق المحض الخالص قليل في المسلمين اليوم ولله الحمد, حتى أن حذيفة -وهو أعلم الصحابة بأسرار النفاق- قال كما روى البخاري في الصحيح عنه: (إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم, فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان) .
ولكن هناك ما هو غير النفاق المحض وهو أن يقع الإنسان في"شعبة"من شعب النفاق -نسأل الله السلامة والعافية- فربما تجارت بالإنسان فأهلكته وربما أدركه لطف الله جل وعلا.
ولذلك روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شعب النفاق العملي (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه"شعبة من النفاق"حتى يدعها..الحديث)
وشعب النفاق تكون في الوقوع في عمل من أعمال المنافقين, كما قال صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على"شعبة من نفاق")
ولذلك فرق الله في القرآن كثيرًا بين اسم"المنافق المطلق"وبين المسلم الذي"في قلبه مرض"أي شعبة من النفاق, وعطفهم على بعضهم في كثير من المواضع مبينًا اشتراكهم في بعض شعب النفاق, كما قال تعالى:
{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ}
وقال تعالى أيضا:
{لئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ..الآية}
وقد علق الإمام ابن كثير على الآية الأولى وهي قول المنافقين ومن فيهم شعبة نفاق حين ادلهمت الأزمة الأمنية:"ماوعدنا الله ورسوله إلا غرورا"تعليقًا مشبعًا بالبلاغة حيث قال:
(أما المنافق فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسِيْكَة ضَعُف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه؛ لضعف إيمانه وشدة ما هو فيه من ضيق الحال) .
وشعب النفاق كما هي شعب الإيمان كلاهما يعرف بالتوسم في الأمارات والأحوال والآيات والعلامات كما قال تعالى في سورة محمد:
{وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}
وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض أمارات شعب النفاق وشعب الإيمان في صحيح البخاري فقال: (آية الإيمان حب الأنصار, وآية النفاق بغض الأنصار)
وهذه العلامات والآيات تورث التهمة, فتقوى وتضعف بحسبها, وقد كان الصحابة -خلا حذيفة- لايعلمون أسماء المنافقين تعيينًا, بل كان النبي صلى الله عليه وسلم لايعرف بعضهم كما قال تعالى (لاتعلمهم نحن نعلمهم) , وإنما كان الصحابة يعلمون كثيرًا منهم بحسب هذه الأمارات فيكون فيهم متهمًا بذلك, ولذلك فإن كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن الغزاة في قصته الشهيرة ذكر أنه لم يجد في المدينة إلا من كان متهما ومغموزًا بالنفاق, كما روى البخاري عن كعب أنه قال:
(فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق)
أي مطعونا عليه في دينه ومتهما بالنفاق, كما ذكر غير واحد من شراح الصحيح.
ومن تدبر شعب النفاق التي ذكرها الله في مواضع متفرقة من القرآن خصوصًا مطلع البقرة والتوبة والأنفال ونحوها من السور المدنية علم سر قلق الصحابة من النفاق, فالصحابة لم تكن خشيتهم الأساسية أن يبطنوا الكفر ويظهروا الإسلام, فهذا أمر ظاهر, وإنما كانوا يخشون أن يقع أحدهم في شعبة من شعب النفاق الدقيقة, ولذلك وصف التابعي الجليل ابن أبي مليكة حالهم فقال كما في صحيح البخاري:
(أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه)
ومما يبين ويوضح أن قلقهم الأساسي لم يكن من النفاق الخالص وإنما كان من شعب النفاق تتمة هذا الأثر حيث يقول ابن أبي مليكة:
(ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل)
فتبين أنهم عنوا نقص الإيمان الكامل بما يعارضه من شعب النفاق, وإنما كانت خشيتهم من شعب النفاق لأن شعب النفاق قد تتجارى بالإنسان حتى تهلكه, فيزداد وارد هذه الشعب حتى يضعف المحل عن احتمالها فيخرج منه نور الإيمان والعياذ بالله, كما قال تعالى:
{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}
وجاء نظير هذا المعنى في التوبة فقال تعالى:
{وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ}
ثم إن شعب النفاق إذا نقلت المرء إلى اسم النفاق المطلق فإن هذا النفاق التام يتفاوت أيضًا بحسب شدة صاحبه في مناهضة وبغض أمر الله ورسوله, فهناك المنافق وهناك من مرد على النفاق, كما يقال شيطان وشيطان مريد, كما قال تعالى:
{وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ}
ومن أعظم شعب النفاق التبرم بمرجعية الوحي, وازدراء القرون المفضلة, واللهج بذكر الكفار وامتلاء القلب بتعظيمهم, هذه كلها من شعب النفاق, والتي يقاربها كثير من الكتاب اليوم فمستقل ومستكثر.