فإن القسط في القرآن هو العدل وضده الظلم, وذلك ليس مختصًا بالعدل السياسي أو مناهضة الاستبداد, بل هو شامل للعدل العام والخاص, فكل مأمورات الشريعة نوع من العدل, وكل منهيات الشريعة نوع من الظلم, فالشريعة أصلًا كلها أمثال مضروبة للقيام بالقسط, ورأس القسط والعدل في الشريعة هو تجريد القلب من كل ما سوى الله وعدم التفاته لغيره, كما قال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} .
والتفات القلب لغير الله قد يكون بصرف عبادة تامة فتكون وثنية كبرى كما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} , وقد يكون التفات القلب إلى طلب الجاه بين الناس فهذا أطلق النبي عليه اصطلاح"الشرك الأصغر"كما قال في الرياء (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. فسئل عنه فقال: الرياء) .
فكل التفات للقلب لغير الله سواء كان بعبادة غير الله أو بميل القلب إلى ثناء المخلوقين: فهو ظلم يعارض القسط الذي جاءت به الانبياء.
وليس المقصود -حاشا لله- التزهيد في منزلة الاحتساب السياسي والتصدي للعدل العام, وإنما المقصود بيان منزلته في الإسلام وأنه دون الإيمان والفرائض, وإلا فإن التصدي للقيام بالعدل العام من أشرف معاني هذه الآية ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من ضحى بنفسه من أجل العدل العام من"سادة الشهداء"والسيادة في الشهادة أمر زائد على مجرد الشهادة, كما في الحديث الذي رواه الحاكم بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(سيد الشهداء حمزة، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله)
ووجه كونه"شهيدًا"أن التصدي للعدل العام من أفضل منازل"الجهاد"كما روى أهل السنن وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري، وجابر, وأبي أمامة، وطارق بن شهاب وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)
وفي رواية (أحب الجهاد إلى الله كلمة حق تقال لإمام جائر) .
وقد كان من أسباب عقوبة أهل"مدين"مظالم الأموال العامة, ولذلك قام فيهم نبيهم شعيب بهذا الأمر, كما قال تعالى:
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}
كما كان من أسباب غضب الله على فرعون استعلاؤه السياسي واستضعافه للناس كما قال تعالى:
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ}
وقد لخص الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء منهج القرون المفضلة في ذلك فقال:
(واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، بل كل من أمر بحروف فإن كان الوالي راضيًا فذاك، وإن كان ساخطًا له: فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه, فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه, ويدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة) .
على أنه من الملاحظ في خطاب غلاة المدنية غياب حديثهم عن منكرات المظالم العامة أصلًا, وإنما غالب مادة حديثهم تدور حول: الحريات السلوكية والإبداع الثقافي واتهام التراث وربط المؤسسات الدعوية بالعنف والتصفيق للمنجز الغربي ونحوها من القضايا, وسبب غياب الحديث عن منكرات المظالم العامة ما ينطوي عليه من إحراجات يفضلون تحاشيها.
وفريضة الإنصاف تقتضينا أن نقول أن من تصدى للقيام بالعدل العام -ابتغاء وجه الله- وإن كان لديه غلو في بعض جوانب المدنية إلا أنه أشرف وأنزه وأجلّ من المنهمكين في لمز السنة واتهام التراث وتبجيل الغرب والتأليب ضد العمل الدعوي وتصيُّد زلات المحتسبين والتشنيع على الفتاوى الدينية وتلميع النظم ونحوها من القضايا الصحفية البائسة, فأين هذا من ذاك؟!
والذي يعنينا الإشارة إليه هاهنا أن تبيين منزلة الاحتساب السياسي والتصدي للعدل العام وأنه دون الإيمان والفضيلة والفرائض لا يخدش في قيمته ولايغض من شأنه, وإنما الذي يوهن قيمته وينفر الناس عنه -لو أردنا المصارحة- إنما هو مغالاة بعض المنتسبين له فيه, حتى قادهم ذلك إلى الإزراء بأئمة الهدى والمحققين من أهل العلم والفضل, والحط على بعض القرون المفضلة, واتهام جماهير فقهاء السلف بمداهنة السلطة العباسية, ولمز مصادر التراث الإسلامي وأنها اشتغلت بالهوامش, ونحو ذلك مما كان هدفه حشد الاهتمام بالاحتساب السياسي.
حيث ظن بعض هؤلاء المنتسبين لقضيتي"العدل والشورى"أن تفريغ الاهتمام من قضايا الالهيات وتفاصيل التشريع التي اعتنت بها القرون المفضلة سيقود تلقائيًا إلى الانخراط في مشروعات التصدي للعدل العام وتداول السلطة ودسترة النظام السياسي ونحو ذلك من القضايا, والحقيقة أن هذا الأسلوب كثيرًا ما يأتي بنقيض المقصود فيجعل الشاب المسلم المعظِّم للسلف يرتاب بمثل هذه الدعوات ويزهد فيها أساسًا, وهذه نتيجة طبيعية فإن الغلو كثيرًا ما يأتي بنتائج عكسية.
والمغالاة في قضية التصدي للعدل العام حملت بعضهم إلى مآلات كارثية, حتى أن بعض المنتسبين لهذا الاتجاه أصبح يصرح بأن مقصود النبوة إنما هو إقامة العدل الدنيوي ونحو ذلك, وهذا فهم مغلوط له نتائج خطرة, سبق أن أشرنا اليها, وقد أشار لذلك الإمام ابن تيمية في الصفدية:
(ومما يبين فاسد قولهم-أي الفلاسفة- أنهم يزعمون أن المقصود بالرسالة إنما هو إقامة عدل الدنيا)
والغاية من هذه الاشارة المختصرة تأكيد قضيتين متوازيتين لايمكن فصلهما, أولهما: أن التصدي للعدل العام منزلة من أشرف منازل الجهاد, وثانيهما: أن حشد الاهتمام بالاحتساب السياسي لايكون عن طريق الازراء بأئمة القرون المفضلة ولا باختزال الشريعة في هذه القضية.
وأقرب مثل يوضح ذلك أن المجاهد في سبيل الله اذا غالى في"قضية الجهاد"بحيث قدمه على العناية بأصول الايمان أو الفرائض أو استخف بالصحابة أو التابعين أو تابعيهم لأجله بحيث صار يملأ قلوب مستمعيه بالغل للقرون المفضلة فان رايته الجهادية تصبح راية مذمومة ينفر منها الشاب المسلم أكثر من كونها تجذبه.
الانفعال الوجداني بالإيمان:
يلاحظ المتابع أن بعض غلاة المدنية إذا قدر لأحدهم أن يتعاطى مع بعض نصوص الوحي فإنما يميل إلى التعامل معها كخطاب معرفي بحت يتضمن قضايا معرفية محضة, وليس كخطاب إيماني حي يتضمن رسالة, ولذلك ينفرون من مظاهر الانفعال الوجداني أمام القرآن, كالإطراق المخبت واستكانة الجوارح وذرف الدموع واقشعرار أطراف الجسد, وينظر بعضهم إلى هذه الحالات الإيمانية باعتبارها نزعة طهرية مبالغ فيها أقرب إلى سذاجة الوعاظ منها إلى الرزانة المعرفية.
وهذا التصور ناشئ بسبب الجهل بمراد الله من الإنسان حين يقرأ كلامه سبحانه وتعالى, وماهي الحالة الأسمى والأرقى أمام الوحي, إن مجرد استشعار أن الوحي إنما هو"كلام إله"كافٍ لهز المؤمن من أعماقه, وقد حكى الله لنا في صور مشرقة جذابة أحوال أهل الإيمان وكيف كانت انفعالاتهم الوجدانية أمام الوحي, تلك الصور كانت تحمل ثناء ضمنيًا على تلك الحال, فلما ذكر الله مسيرة الأنبياء عقب بذكر حالهم إذا سمعوا آيات الوحي حيث يقول تعالى: