{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}
فهذه الآية تصور"جنس الأنبياء"لا بعضهم وهم أكمل البشرية وأشرفها, وهم الأرقى بالتنوير الحقيقي, وهم الأسمى عن الظلاميات الحقيقية, فانظر كيف يستقبلون آيات الوحي بالخرور إلى الأرض ساجدين وباكين, فأي انفعال وجداني أعظم من ذلك؟
ويصف تعالى في مشهد آخر صورة الخرور والبكاء فيقول تعالى:
{وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء:109]
ويصف تعالى مشهدًا آخر لأهل الإيمان وهم يستقبلون آيات الوحي فيقول تعالى:
{وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة:83]
ويعتبر تعالى أن الانفعال الوجداني بالوحي من سلوكيات العلم والمعرفة الحقيقية كما يقول تعالى:
{قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء:107]
ويصف تعالى مرة أخرى أثر القرآن الجسدي وليس الوجداني فقط فيقول تعالى:
{ اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ}
بل إن الله سبحانه وتعالى يجعل هذه التأثر النفسي أمام الوحي من مقتضيات وآثار الإيمان التي إن غابت فإنما تدل على ضمور الإيمان, إن لم يكن ذهاب أصله, كما قال تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}
وكما هي عادة القرآن فإنه اذا ذكر حالا محمودة, فإنه يذكر ضدها ويذمها تتمة للبيان واستكمالًا للدلالة, ولذلك يقول تعالى:
{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22]
بل إن الله ضرب لنا مثلًا للتأثر بالوحي من تدبره وتأمله امتلأ خجلًا من حاله وحياء من الله, فإن الله تعالى ذكر أن أشد أنواع الجمادات وهي الجبال والحجارة لو أنزل عليها هذا القرآن لتأثرت وانفعلت به, حيث يقول تعالى:
{لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}
ويقول تعالى:
{وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة:74]
وقال تعالى:
{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد:31] .
بل إن الشجر ذاته يتأثر بذكر الله, ففي صحيح البخاري من حديث ابن عمر وجابر كليهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتقل إلى المنبر حَنّ الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يُسَكَّن, وذلك من شدة فقده للذكر والوحي من رسول الله, حتى أن الحسن البصري لما جلس مرة يروي هذا الحديث لأصحابه بكي ثم قال: (أنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه من جذع شجرة) .
بل إن هذا التأثر النفسي والوجداني لا ينحصر فقط في الاستماع للوحي, بل إن المؤمن لا يملك نفسه أمام سائر حقائق الإيمان, فالمؤمن قد يسيطر عليه الحزن والبكاء نتيجة فوات"عمل صالح"يتقرب به إلى الله, وهذا الموضع لا يعقله غلاة المدنية, فلو شاهدوا رجلًا يبكي لفوات عبادة من العبادات لامتلؤوا انتقاصًا له, مع أن الله تعالى يحكي لنا طرفًا من أحوال الصحابة وكيف يتأثرون لفوات عمل صالح فيقول تعالى:
{وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ} [التوبة:92]
فإذا كان ذلك كذلك فكيف يليق بنا أن نستمع للوحي وحقائق الإيمان ببرود معرفي محض؟! وكيف يليق بنا أن نتعامل مع الانفعال الوجداني بالوحي والإيمان باعتباره لونًا من السذاجة الوعظية؟ الواقع أنه لم تفقد هذه الأحوال العظيمة قيمتها إلا بسبب تعظيم المدنية الدنيوية وعلومها المادية, ويكفي للعاقل أن يقرأ هذا العرض الإلهي:
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ, وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}
مأزق التعظيم النظري للكلي:
غلاة المدنية يكثرون من ذم الحفاوة بالجزئيات وتفاصيل الشريعة, وحين يناضل الفقيه الشرعي أو المفكر المسلم من أجل مسألة شرعية فإنهم يجابهونه بأننا يجب أن نرتفع عن الجزئيات ونهتم بالكليات, وأن المهم ليس أعيان المسائل وإنما المهم الأصول العامة, وأننا يجب ألا نغرق في الخاص ونهمل العام, ونحو هذه العبارات, وبعضهم يحاول أن يسند هذه الفكرة بنصوص تراثية من علم مقاصد الشريعة حول أهمية"الكليات الشرعية"وخصوصًا من رائد المقاصد الإمام الشاطبي رحمه الله.
والحقيقة أنه هذه النظرة للعلاقة بين الجزئي والكلي تنطوي على إهدار شئ من معطيات الوحي, بل تحولت إلى آلية منظمة لابتلاع المفردات الشرعية وتغييبها باسم العناية بالكلي والعام ونحوه.
ومن أهم أوجه الخلل في هذه الرؤية أنها غيبت دور الجزئي في حفظ الكلي, فافترضت أن الجزئي نقيض للكلي, والواقع أن الجزئي هو التحقق الواقعي للكلي, فكل تطبيق واقعي يحمل في مضامينه معنى الكلي, إذ الكلي انما هو القدر المشترك المستخلص من استبعاد العارض والطارئ وإبقاء المعنى المشترك.
فإذا عظمنا الكلي وغيبنا تطبيقاته تحول هذا التعظيم إلى تعظيم نظري شكلي لا حقيقة له, ولنضرب على ذلك مثلًا, فإنك تجد بعض الكتاب يقول لك يجب أن نهتم بالفضيلة كقيمة كلية كبرى لا أن نهتم بتطبيقاتها الجزئية, ثم يفتت كل الآليات التي تعزز هذه القيمة ويتسامح في فتح كل الذرائع التي تعارض هذه القيمة, ويدعي بعد ذلك أنه ينظر إلى"الفضيلة"كقيمة لا كتطبيقات, فهذا إنما حفاظه على كلي الفضيلة حفاظ نظري شكلاني غير حقيقي.
ومن ادعى تعظيم كلي"الدعوة والبلاغ"ولكنه استهان بقيمة أفراد وآحاد وسائل الدعوة الشرعية, فهذا إنما تعظيمه للدعوة تعظيم نظري غير حقيقي.
وعليه فكلما كان الإنسان أكثر تعظيمًا لجزئيات الشريعة كان أكثر تعظيمًا للكليات الضمنية فيها, وكلما كان الإنسان مستهينًا بجزئيات الشريعة كان أكثر استهانة بالكلي المتضمن فيها, فلا طريق لتعظيم الكلي إلا بتعظيم جزئياته وتطبيقاته, وبذلك يتبين أن دعاوى تعظيم الكلي التي يرددها غلاة المدنية إنما هي وسيلة لتفريغ الكلي من محتواه باسم تعظيمه.
وقد شرح الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات"دور الجزئي في إقامة الكلي"وذلك في فصل خاص عقده لهذه المسألة وساق فيه الأدلة, ومن ذلك قوله رحمه الله:
(فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي.., وحين كان ذلك كذلك: دل على أن الجزئيات داخلة مدخل الكليات في الطلب والمحافظة عليها)