فهرس الكتاب

الصفحة 832 من 2255

ثم أشار الشاطبي إلى كون الكلي إنما هو مجرد"مفهوم نظري"ولذلك كان جمهور المناطقة يؤكدون أن الكلي إنما يوجد في الذهن أما ما هو خارج الذهن فإنما هو تطبيقاته, وهذا يعني أن من عظم الكلي دون تطبيقاته فإنما عظم مفهومًا نظريًا ذهنيًا محضًا لا واقع فعليًا له, كما يقول الشاطبي في الاستدلال لهذه القضية:

(ومنها: أن الجزئيات لو لم تكن معتبرة مقصودة في إقامة الكلي لم يصح الأمر بالكلي من أصله, لأن الكلي من حيث هو كلي لا يصح القصد في التكليف إليه, لأنه راجع لأمر معقول لا يحصل في الخارج إلا في ضمن الجزئيات, فتوجُّه القصد إليه من حيث التكليف به توجه إلى تكليف ما لا يطاق, وذلك ممنوع الوقوع, فإذا كان لا يحصل إلا بحصول الجزئيات فالقصد الشرعي متوجه إلى الجزئيات, وأيضا: فإن المقصود بالكلي هنا أن تجرى أمور الخلق على ترتيب ونظام واحد لا تفاوت فيه ولا اختلاف, وإهمال القصد في الجزئيات يرجع إلى إهمال القصد في الكلي, فإنه مع الإهمال لا يجري كليًا)

ومن وجه آخر فان المتأمل في أخبار أهل الكتاب التي ساقها الله في القرآن يلاحظ أن أهل الكتاب كانوا يعظمون ويقدسون كتبهم السماوية, ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى ذمهم وعابهم, لأن تعظيمهم وتقديسهم لتلك الكتب السماوية إنما كان تقديسًا نظريًا وتعظيمًا شكلانيًا لا حقيقة له ولا أثر تطبيقي فعلي, فلم ينفعهم ذلك.

فليس المراد إذن"تقديس النص"شكليًا, أو تقديس المفاهيم نظريًا, وإنما إقامة الحقائق والمعاني واقعًا حيًا معاشًا.

ولذلك روى أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأصحابه: (يوشك أن يرفع العلم) قال له زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونُقْرئه أبناءنا، ويُقْرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

( ثكلتك أمك يا ابن لبيد! إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله, ثم قرأ: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ)

فكشف النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل زياد بن لبيد -وهو أنصاري مهاجري- أن القضية ليست في وجود النص وحفظ ألفاظه, وإنما في إقامته واقعًا حيًا معاشًا على الأرض, وإقامته لا تكون إلا بإقامة تفاصيله وتطبيقاته.

والمقصود أن مراعاة الجزئي هي الطريق لإقامة الكلي, وإنما يعاب الجزئي إذا صادم الكلي, أما إذا لم يصادمه ولم يعارضه فإن إهدارَه إهدارٌ للكلي كما سبق بيانه.

فكرة السلم المطلق:

بعض غلاة المدنية يردد فكرة السلم المطلق, ويدعو إلى مواجهة مشروعات الاحتلال العسكري الصريحة بلغة الحب ورحابة الصدر الأعزل ونحو ذلك من الافكار الحالمة المستلهمة من نموذج الحكيم الهندي المعروف"المهاتما غاندي", وبعضهم يبالغ في تبجيل غاندي وعرضه كمخلص.

والحقيقة أن شريعة الله سبحانه وتعالى أرقى وأحكم من شريعة غاندي, وهذا الموضع موضع خطير على الإيمان لتضمنه المعارضة العملية لمحكمات الوحي, فإن الله سبحانه وتعالى شرع البر للمسالم والإثخان للمعتدي, وقد أمرنا الله بذلك كما في قوله تعالى:

{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ}

وفي موضعين من كتاب الله تعالى في سورتي التوبة والتحريم أمرنا سبحانه أمرًا صريحًا بالغلظة للمعتدين فقال تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73 ، والتحريم:9]

وأمرنا سبحانه بالإثخان في قوله تعالى:

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ}

وأمر سبحانه الملائكة بقوله:

{فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال:12]

وأمر سبحانه بالتشريد للمعتدين فقال سبحانه:

{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} [الأنفال:57]

بل إن الله سبحانه وتعالى نهانا إذا نشبت المعركة مع المعتدي أن نبدأ الدعوة للسلام وإنهاء الحرب إذا كنا نحن الطرف الأقوى فقال تعالى {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون} وهذا توجيه إلهي صريح لا تستطيع كل تعسفات النظرية السلمية أن تفرغه من محتواه.

فإذا كان جبار السموات والأرض -كما في الآيات السابقة- يحثنا على مواجهة المحتل والمعتدي بالإثخان والغلظة وضرب الرقاب والتشريد في الأرض وعدم البدء بالدعوة للسلام, ويحببنا في هذه الأعمال الشريفة ويثيبنا عليها, فكيف يتجرأ عاقل ويستدرك على الله جل وعلا ويرى أن رأي رجل هندوسي وثني أحكم وأرقى؟!

والله ولو امتلأ القلب بتوقير الله وقدره حق قدره لامتنع أصلًا أن يزاحم حكم الله بحكم رجل هندوسي, ولا يرتاب عاقل أن هذا الموطن الذي يقدم فيه حكم غير الله أن فيه شعبة من شعب النفاق التي حذر الله المسلم من الوقوع فيها, كما في قوله تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} .

هذا طبعًا من حيث علاقة فكرة السلم المطلق بنصوص الوحي, أما علاقتها بالواقع فهي فكرة رومانسية طريفة, ذلك أن جمهور الأمم المعاصرة اليوم تمجد أبطالها القوميين ذوي البسالة في المعارك الكبرى, وترفعهم بحسب عبقريتهم في ازهاق الأعداء وصناعة الانتصارات القتالية الحاسمة, وتبني لهم النصب التذكارية في مراكز المدن, وهذا أمر مشاهد معلوم.

ومواجهة المحتل بالإثخان والتشريد ونحوها لا تعني الإخلال بأخلاقيات الجهاد الشرعي, كاستهداف أمن البلدان الإسلامية, أو انتهاك فريضة الله في المعاهَد والمستأمَن ومن له شبهة أمان, فهذا انحراف عن الجهاد الشرعي الشريف لا يخالف في ذلك أحد من فقهاء الإسلام المتقدمين أو المعاصرين ولله الحمد, وإنما الموفق من أخذ الكتاب كله ولم يقع في تبعيضه, فعمل بشريعة الإثخان والتشريد وراعى حقوق معصومي الدماء من المسلمين والمعاهدين والمستأمنين ومن لهم شبهة أمان, فإن التحرز في الدماء عنوان الديانة.

بل ما أقرب أن يقال -والعلم عند الله- أنه ما استطال أهل الأهواء اليوم على الدعوة إلا بشؤم معصية الله في انتهاك أخلاقيات الجهاد الشرعي, فبعد أن كان أهل الدعوة في منعة لا يرقى إليهم الشك أصبح الكثير منهم اليوم موضع الارتياب والرقابة, وتسلط عليهم كثير من أهل الباطل بالتعيير والتشنيع, وما أكثر ما تتسبب معصية فردية في ابتلاء عام يطال الأخيار وأفاضل الناس, ولذلك لما عصى الرماة هدي الله في الجهاد سلط الله الكفار حتى نالوا من رسول الله وكبار أصحابه, فكسرت رَبَاعِيتُه وشُجّ في وجهه، ودخل في وجنته الشريفة حلقتان من حلق المغفر، كما قال تعالى: {وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون}

وفي وقعة حنين لما تسربت معصية العجب إلى بعض الأفراد ابتلى الله المسلمين أفاضلهم ومن دونهم فضاقت عليهم الأرض بما رحبت كما قال تعالى: {ويوم حنين اذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} .

فهذه العمليات المنحرفة التي استهدفت أمن البلدان الإسلامية واستهترت بضوابط الشريعة في عصمة الدماء, تسببت في تشويه الجهاد الملتزم بأخلاقيات الجهاد الشرعي وقيمه السامية, حتى أصبحت لا تكاد ترى من ينبس باسمه خوفًا من أن يجر بتهمة الإرهاب, وجرأت كثيرًا من السفهاء على أن يستهينوا بشئ من مضامين الوحي ما كانوا يتجرؤون على الإعلان بمثلها, فأي شؤم لتلك العمليات أكثر من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت