زاد عدد الأطفال مجهولي الهوية أمس الأول واحدا،ً بعد أن انضم لقيط في الشرقية إلى القائمة.. وبات على الأسر الحاضنة أن تختار تبني الرضيع من عدمه! .
رضيع في كرتونة.
لقيط لم يتعد الأسبوع الرابع والثلاثين من عمره.. تركته أمه قريبًا من سور المستشفى واختفت وسط الزحام..! تعالت صرخات الرضيع وسط كرتون ورقي، اختارته الأم القاسية مهدًا لصغيرها..
يبدو أنها شعرت بشيء من القلق على طفلها، وحرصت على حمايته بكرتون.. يحميه من لفح الشمس.. وخشونة التراب وحرارته على سور مستشفى الولادة والأطفال.
الزوّار في ذلك النهار، كانوا أمام ضيف بريء علت صرخاته.. وجعًا.. وألمًا.. وربما غضبًا من محيطه..
أب متعجل لا يضبط غريزته، وأم مات ضميرها فباعت صغيرها في لحظات نشوة طائشة ومجنونة، ومجتمع قاس لن يرحمه في كبره!.
مع صرخات الرضيع توافد الزوّار والفضوليون إلى موقعه، وهناك وقفوا متسمرين حائرين..؟!!.
صغير يبكي ذاته.. يبكي أمه.. وأباه، وأمام المشهد المؤثر أطلق كثير ممن شهدوا الموقف العنان لدموعهم..
كل المؤشرات تدل على أنه لقيط جار عليه أبواه.. ؟!!.
إنه ثمرة غير شرعية، لعلاقة غير شرعية نبتت بين اثنين..!!!.
مرارة شهود الواقعة زادت وتضاعفت، عندما ترددت فرقة من الهلال الأحمر في إسعاف ونقل اللقيط..، وقف «المتفرجون» حيرى، فجهات الاختصاص الموكولة لها الإسعاف والإنقاذ عادوا أدراجهم.. زاد بكاء الطفل أكثر من ذي قبل، ربما يبكي حاله". إلى آخر ما جاء في الخبر.."
* المجروحون يرون قصتهم.
في جريدة الوطن السعودية، الإثنين 13صفر 1427هـ،13مارس2006، العدد (1991) جاء ما يلي:
(يقرون بوضعهم ويضيقون بالإهانات ويحلمون بالهجرة
لقطاء يكسرون حاجز الخوف والخجل ويكشفون عن مكابدتهم اليومية)
جدة: عاصم الغامدي
قرر عدد من اللقطاء، أو مجهولي النسب، أو الأيتام - كما هو التوصيف الرسمي لهم - كسر حاجز الخجل، والتحدث إلى"الوطن"بكل صراحة عن واقعهم وأحوالهم ومكابداتهم اليومية، ولم يعبأوا كثيرًا بنشر صورهم أو إعلان أسمائهم الحقيقية، ولم يتكتموا على شيء بدافع الخوف من الفضيحة، معتبرين كل هذا أقل ضررًا من حال الضياع التي يشعرون بها ويعيشونها فيما يعتبرون أنفسهم سائرين في نفق مظلم طويل، ويتمنون فقط أن يعثروا في نهاية النفق على بصيص نور أو بصيص أمل - كما يقولون!
وعلى الرغم من سوء معاملة المجتمع لهؤلاء، ونظرته الازدرائية لهم، وعلى الرغم من تلقيهم الكثير من الإهانات اليومية حيث تطاردهم اللعنات، وترشقهم الألفاظ النابية، ويمقتهم الناس، محملين هؤلاء الذين لا ذنب لهم جريرة لم يقترفوها، فهم ضحايا، وليسوا مجرمين من دون أدنى مراعاة لأحاسيسهم ومشاعرهم كبشر، تطالهم الآلام، وتجرح أعماقهم نظرات الاتهام والنبذ والتحقير.
أمام واقع مؤلم - كهذا - أبدى حسان وشريف ومشهور وعاطف وسواهم استعدادهم الكامل للحديث، وبث شكواهم على صفحات"الوطن"بغية التنفيس أولًا، وإيصال صوتهم إلى الجهات المعنية ثانيًا، وتوضيح الصورة لهذا المجتمع الذي ينبذهم كما لو أنهم هم الذين قاموا بارتكاب الآثام.
في هذا اللقاء تحدثوا عن مسيرة حياتهم منذ أيام الطفولة وما صادفوه من إحباطات، ومالازمهم من معاناة، وأحزان كثيرة وفرحٍ قليل.
قال حسام: اكتشفت يتمي في العاشرة تحديدًا، كنت في الصف الثالث الابتدائي عندما أخبرتني المربية بذلك إن كلمة"يتيم"- في نظري - كلمة مطاطة كونها تشمل من فقد الأبوين كليهما، أو من فقد أحدهما فقط، كما أن"اللقيط"لا يعرف أبويه، استقبلت الأمر برضا تام، خصوصًا وأنني وجدت من يعتني بي، فالإنسان ابن بيئته - كما يقولون - ولم أسأل عن التفاصيل، كيف وأين وجدت أو ماذا كان معي، بل حاولت أن أتغلب على أي شعور بروح الدعابة، وبالنظر إلى المستقبل المشرق بعينين صافيتين - كما قيل لي وقتها. وأول مشكلة واجهتني - يتابع حسام سرد مأساته - كانت عقب التحاقي بالمدرسة، وهي إحساسي بأنني وحيد في هذا العالم، وحيد وكأنني مقطوع من شجرة، وكنت ألوذ بالصمت القاتل عندما أرى جميع أقراني يتحدثون عن أمهاتهم وآبائهم وأشقائهم، وكنت فقط أتخيل ما يحدث في إطار العائلة من محبة ودفء وحدب واهتمام ورعاية وسواها من العواطف الرائعة وكانت تغيب عن ذهني الأفكار عن طبيعة العلاقة الأسرية بين الأب والأم والأبناء داخل المنزل وخارجه. ويكمل حسام حديثه قائلا: ما ساعدني على تقبل وضعي ذلك التعاطف الكبير من زملائي في المدرسة، ومن آبائهم أيضًا، وعشت حياتي كما هي متخذًا من المصطفى عليه الصلاة والسلام قدوة لي، بوصفه نشأ يتيمًا، وداخلني شعور رائع بأن كل هؤلاء الزملاء أصبحوا أسرتي، ومازلت على اتصال بالمربية التي تولت أمر تربيتي ورعايتي والتي أدعوها أمي، وكذلك مازلت على اتصال بسائر الزملاء في"الميتم"!.
وعاد حسام بذاكرته إلى البدايات الأولى، قائلا: فتحت عيني على هذه الدنيا فيما كنت في دار الحضانة بالرياض، ومنها إلى دار التربية وبعدها انتقلت إلى دار التربية الاجتماعية بالمدينة المنورة، حيث مكثت بها حتى الصف الثالث المتوسط، ثم تم إرسالي إلى المؤسسة بجدة، وهنا بدأت معاناتي الحقيقية، وسببها معاملة الإدارة لنا، وأقمت فيها برغم المعاناة مدة تصل إلى الثلاث سنوات، توجهت بعدها إلى المعهد المهني، وقبل تخرجي بأسبوعين تم طي قيدي من المؤسسة بسبب تغيبي، وذلك لأنني كنت أشارك في معسكر رياضي لنادي الاتحاد، دون أن أثبت لهم ما يؤكد ذلك.
ونفى حسام ما يشاع عن هؤلاء الأيتام من أنهم ساخطون على المجتمع، موضحًا أنهم إذا ما تعرضوا للقسوة سيكونون ساخطين، وكشف عن أحلامه، قائلا: إنه يحلم بالهجرة إلى الغرب، وتحديدًا فرنسا، لكونه يتوق إلى تعلم اللغة الفرنسية والعمل بالترجمة، فهو - كما يقول - لا يحمل أي مؤهل علمي أو أي شهادة دراسية تساعده في الحصول على عمل شريف يستطيع من خلاله أن يعيش حياة سوية. وحين سألته: ولماذا الهجرة إلى الغرب؟!.
أجاب: هناك، أي في الغرب، يعيش الكثيرون من دون أن يعرفوا آباءهم حياة طبيعية، ولا ينظر إليهم المجتمع تلك النظرة القاسية التي نشعر بها تجلدنا كما تفعل السياط!! فالناس في مجتمعنا يتعاملون معنا كما لو أننا نحمل الطاعون، ولسنا بشرًا كسائر البشر، جريرتنا الوحيدة أننا وجدنا أنفسنا هكذا، فليس ذنبنا أن أتينا من المجهول وإنما هو ذنب من اقترف بحقنا هذه الجريمة!.
زميله عبدالقادر تحدث عن تجربته التي وصفها بأنها أكثر قسوةً ساهمت في حرمانه من التعلم، فهو لم يستطع إنهاء دراسته - كما هي حال حسام.
قال عبد القادر: فتحت عيني على الدنيا في مدينة الرس"بمنطقة القصيم"، وأذكر أن جميع المربيات في تلك الحضانة التي احتضنتني كن من الآسيويات، وعندما بلغت السابعة تمت إحالتي إلى دار التربية في القصيم نفسها، وعندما وصلت إلى الصف الثالث الابتدائي تم إلحاقي بقسم البنين ببريدة، وعندما وصلت إلى الصف الخامس تم نقلي إلى دار التربية بحائل، وفي الصف الأول المتوسط كنا 14 يتيمًا، وتم تقسيمنا إلى مجموعتين، إحداهما أرسلت إلى الرياض، والأخرى إلى جدة.