فهرس الكتاب

الصفحة 841 من 2255

وحين سألته متى عرفت حقيقة كونك يتيمًا، أجاب عبد القادر: كان ذلك في العاشرة من عمري - تقريبًا، وقبلًا، كانت كلمة"يتيم"تمر على مسامعي دون أن تعني لي شيئًا، وكانت معرفتي بأني يتيم سبب شقائي وضياعي وتعاستي بقية عمري، إذ أخبرني أحدهم بأني دون أب أو أم أو اسم حقيقي أو لقب عائلي، وأفهمني أن كلمة"يتيم"يقصد بها الاستهزاء، والشتيمة، والإهانة والإساءة وعلى الرغم من أن كافة زملائي كانوا يعيشون وضعي نفسه، إلا أنني بعد هذه المعرفة القاتلة بحقيقة وضعي فقدت اهتمامي بالتحصيل الدراسي، وبكل شيء. ويتابع عبد القادر بحرقة قائلا:

بعد أن أنهيت المرحلة الابتدائية، كنت قد تجاوزت السن القانونية، فتمت إحالتي إلى فرع المؤسسة في جدة، وتم إلحاقي بإحدى المدارس المتوسطة، لكنني لم أستطع إكمال دراستي، فتم تحويلي إلى المعهد المهني"قسم التجارة"الذي لم يكن يتوافق وميولي، فلم أكمل الدراسة فيه، ويرجع عبد القادر كل هذه الإخفاقات في الدراسة كما يعيد كل مشاكله في هذه الحياة إلى كونه يفتقد للرعاية الأسرية والبيئة المستقرة، وكما نفى زميله حسام، نفى عبد القادر بدوره مسألة الحقد على المجتمع، مطالبًا بمنحه فرصة حقيقية لبناء نفسه ومستقبله وحياته التي يراها صارت أقرب إلى الشظايا، أما شريف، فوصف هو الآخر تجربته مع اليتم بأنها قاسية، وأنها لا تختلف عن تجارب"زملائه"في المؤسسة، قائلا: بدأت حياتي في دار الحضانة بجدة، وفيها تعرضت للضرب القاسي من إحدى المربيات، وعندما بلغت السابعة، تم نقلي إلى دار التربية بالمدينة المنورة، وفيها كنت أشعر بأن المدير أبي، وأن المشرفين إخوتي، وعندما وصلت إلى المرحلة المتوسطة، ثم نقلي إلى مؤسسة التربية النموذجية بمكة المكرمة، وللأسف هذه المؤسسة اسم بغير مسمى، فهي لا تعي شيئًا في أساليب التربية، كما أنها لا تحمل من"النموذجية"شيئًا أبدًا، ويتابع شريف حديثه قائلا: بكل صراحة أقول، إنني في هذه المؤسسة لم أجد أي تربية، ولم أحظ بأي رعاية، إذ لم يكن يسمح لنا بالخروج من الدار مطلقًا، وكان هذا القرار الصارم، وغير الإنساني، سببًا في ضياعي!! نعم لقد بدأت رحلة الضياع، فيما كان عمري"14 سنة"حيث قمت بالهروب مع الزملاء الأقدم، وفي هروبي هذا تعرفت على عالم المخدرات، وظللت أندفع من هروب إلى آخر مهما اختلفت مستويات ومضامين هذا الهروب لأنأى بعيدًا عن"حقيقتي"المرة!!.

ويضيف: كنت أخفي عن أبناء الحي الذي تقع فيه المؤسسة"حقيقتي"خشية السخرية مني، ومخافة أن يتم دفعي إلى طريق الانحراف، واستغلال ظروفي استغلالًا بشعًا!!. لم أمكث في مكة المكرمة سوى سنة واحدة، تغيرت فيها كل القيم والمبادئ الحميدة التي كانت تسكنني، وذلك نتيجة الهرب، ولجوئي للشارع وأصدقاء السوء في الحي، بعد هذه التحولات العميقة، أصبح وضعي داخل المؤسسة لا يطاق، خصوصًا وأنني تعرضت للضرب وسوء المعاملة، لدرجة أنني أصبحت ألجأ إلى العمائر المهجورة لقضاء الليل، وتحديدًا عندما تم طردي من السكن في الدار عقابًا على هربي من سكن المؤسسة .

ويضغط شريف على الكلمات وهو ينطق هذه العبارة المليئة بالذكريات المؤلمة، قائلا:"لن أنسى أبدا حياة التشرد التي كان لها دور كبير في مأساتي".

في الصف السادس الابتدائي، اكتشف شريف حقيقة كونه يتيمًا وقال: عبر طرح العديد من الأسئلة علي من قبل زملائي في المدرسة، وهي أسئلة تتقصى حقيقة وضعي، وتبحث في أصلي وفصلي، وتتناول أبي، وهي الأسئلة التي لم أستطع أن أعثر لها على إجابة، الأمر الذي دفعني أن أطرح الأسئلة نفسها على المسؤولين في دار الأيتام، لكني لم أجد لديهم إجابة شافية، وحينما أصررت على معرفة الحقيقة، قيل لي إن أبي وأمي قضيا معًا في حادث سير، وعندما كبرت، وشببت عن الطوق قليلًا، استوعبت الحقيقة وتوقفت عن طرح الأسئلة، ولم أعد أبحث عن أبي أو من يكون؟! .

روى شاب آخر اسمه عبد العزيز قصة حياة مترفة، عاشها ما يقارب 18 عامًا، واصفًا قصته هذه بأنها تختلف عن قصص الآخرين، وقال: كان بمقدوري أن أحيا حياة رائعة، وكان بوسع تلك الحياة لو استمرت أن تجعلني بعيدًا جدًا عن هذه المرارات، وأضاف عبد العزيز:"كفلني في بداية حياتي أحد رجال الأعمال الأثرياء ثراء ضخمًا، فأتاح لي أن أتلقى تعليمي في الابتدائية والمتوسطة في أرقى مدارس جدة، وبعد أن رحل عن هذه الدنيا، كفلتني ابنته 10 سنوات أو يزيد، لكن، ومنذ فترة غير قصيرة، تم طردي من السكن الذي خصصته تلك السيدة الكريمة لي ولعدد من زملائي الأيتام وذلك لسوء سلوكي، فعدت للعيش في مؤسسة التربية، بعد أن خسرت تلك الرعاية المثالية التي حظيت بها، وها أنا الآن أشعر بندم شديد وحسرةٍ كبيرة على تلك الحياة الهانئة الرائعة التي عشتها، والتي تبددت معها كل أحلامي الجميلة، أما حقيقة وضعه، فقد اكتشفها عبد العزيز عندما كان في الثالث المتوسط، وحين لاحظت تلك السيدة الكريمة التي كانت تتولى رعايته ما طرأ على نفسيته من آثار سيئة قامت بعرضه على طبيب نفسي، وظل يراجع هذا الطيب حتى تم طرده وإعادته إلى سكن المؤسسة."

وقال عبد العزيز: صرت أكثر ميلًا للعزلة، وصرت عدوانيًا، وانقطعت عن الدراسة بحجة تغيير مجرى حياتي التي اعتبرتها تعيسة وتكوين أسرتي الخاصة !! ولكن كل هذا كان مجرد وهم كبير.

وأضاف بأسى: كلمة يتيم في المجتمع تعني"اللقيط"ولا أنسى موقفًا حين تقدمت مع زملاء لي بشكوى لرجال الأمن ضد أشخاص تشاجروا معنا فسألنا المحقق عن مقر السكن ليكتبه في المحضر وحين ذكرنا دار الأيتام قال: تقصدون سكن اللقطاء، بخلاف شماتة الكثيرين من لفظ الإخوة الذي نستعمله فيما بيننا لاختلاف ألوان بشراتنا. الأمر الذي يجعلنا نتجنب المجتمع ولا نعترف بأننا من سكان الدار وندعي الانتساب لإحدى القبائل، كما أن سوء المعاملة حول الكثيرين منا إلى قنابل موقوته.

وبرر عدوانية الأيتام ولجوئهم إلى العنف لغياب من ينصفهم في المجتمع وافتقادهم إلى الرعاية الأسرية والحنان معتبرًا أن الموظف يؤدي عمله ليحصل على مرتب في نهاية الشهر ولا يمكن أن يقوم بدور الأب.

والمعاملة لا تتم بشكل مقنع بل تغلب عليها القسوة مما يؤدي بهم إلى ردة الفعل السلبية، ورأى أن كفالة الأسر لهم تزيد من شعورهم بالغربة فعندما يصل أحدهم إلى سن البلوغ تحتجب عنه نساء الأسرة التي تكفله فيشعر كأنه فقد أسرته مرتين.

وعلق زميل لهم على ما ذكروه قائلا: القسوة التي نتعرض لها في التربية تجعل الكثير منا عرضة للجوء للمخدرات التي تجعلنا نهجس بالانتقام ممن أساء لنا.

وطالب الأيتام بتأهيل وتعيين مشرفين من نفس أبناء الدار؛ لأنهم سيكونون أقدر على تفهم أوضاع المقيمين فيها، وأشاروا إلى تجربة ناجحة، تم تطبيقها في دار الأيتام بالمدينة المنورة، خاصة وأن اليتيم يكون عرضة للاستغلال الجنسي، والنفسي، لتلبية احتياجاته المادية من مالٍ وملابس، والنفسية من حب ورعاية وحنان، وباعتبار المراقب صاحب أهم دور في مراكز الرعاية، فإنه يتعين أن يكون من الأيتام.

* مقتطفات واعترافات جريحة.

1.لم يعبأوا كثيرًا بنشر صورهم أو إعلان أسمائهم الحقيقية، ولم يتكتموا على شيء بدافع الخوف من الفضيحة، معتبرين كل هذا أقل ضررًا من حال الضياع التي يشعرون بها ويعيشونها.

2.تلقيهم الكثير من الإهانات اليومية، حيث تطاردهم اللعنات، وترشقهم الألفاظ النابية، ويمقتهم الناس، محملين هؤلاء الذين لا ذنب لهم، جريرة لم يقترفوها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت