3.قال: اكتشفت يتمي في العاشرة تحديدًا، كنت في الصف الثالث الابتدائي، عندما أخبرتني المربية.
4.كنت ألوذ بالصمت القاتل، عندما أرى جميع أقراني يتحدثون عن أمهاتهم وآبائهم وأشقائهم، وكنت فقط أتخيل ما يحدث في إطار العائلة، من: محبة، ودفء، واهتمام، ورعاية، وسواها من العواطف.
5.يحلم بالهجرة إلى الغرب، وتحديدًا فرنسا، يقول: هناك، يعيش الكثيرون من دون أن يعرفوا آباءهم حياة طبيعية، ولا ينظر إليهم المجتمع تلك النظرة القاسية التي نشعر بها، تجلدنا كما تفعل السياط!! فالناس في مجتمعنا يتعاملون معنا كما لو أننا نحمل الطاعون .. جريرتنا الوحيدة أننا وجدنا أنفسنا هكذا!.
6.معرفتي بأني يتيم سبب شقائي وضياعي وتعاستي بقية عمري، إذ أخبرني أحدهم بأني دون أب أو أم أو اسم حقيقي أو لقب عائلي .. بعد هذه المعرفة القاتلة بحقيقة وضعي، فقدت اهتمامي بالتحصيل الدراسي.
7.كنت أخفي عن أبناء الحي الذي تقع فيه المؤسسة"حقيقتي"، خشية السخرية مني، ومخافة أن يتم دفعي إلى طريق الانحراف، واستغلال ظروفي استغلالًا بشعًا!!.
8.أصبحت ألجأ إلى العمائر المهجورة لقضاء الليل، وتحديدًا عندما تم طردي من السكن في الدار، عقابًا على هربي من سكن المؤسسة.
9.لن أنسى أبدا حياة التشرد التي كان لها دور كبير في مأساتي.
10.طرح العديد من الأسئلة علي من قبل زملائي في المدرسة، وهي أسئلة تتقصى حقيقة وضعي، وتبحث في أصلي وفصلي، وتتناول أبي، وهي الأسئلة التي لم أستطع أن أعثر لها على إجابة.
11.صرت أكثر ميلًا للعزلة، وصرت عدوانيًا، وانقطعت عن الدراسة بحجة تغيير مجرى حياتي التي اعتبرتها تعيسة وتكوين أسرتي الخاصة !! ولكن كل هذا كان مجرد وهم كبير.
12.كلمة يتيم في المجتمع تعني"اللقيط"، ولا أنسى موقفًا، حين تقدمت مع زملاء لي، بشكوى لرجال الأمن، ضد أشخاص تشاجروا معنا، فسألنا المحقق عن مقر السكن؛ ليكتبه في المحضر، وحين ذكرنا دار الأيتام، قال: تقصدون سكن اللقطاء.
13.شماتة الكثيرين من لفظ"الإخوة"الذي نستعمله فيما بيننا؛ لاختلاف ألوان بشراتنا. الأمر الذي يجعلنا نتجنب المجتمع؛ ولا نعترف بأننا من سكان الدار؛ وندعي الانتساب لإحدى القبائل.
14.سوء المعاملة حول الكثيرين منا إلى قنابل موقوته.
15.وبرر عدوانية الأيتام، ولجوئهم إلى العنف؛ لغياب من ينصفهم في المجتمع، وافتقادهم إلى الرعاية الأسرية والحنان، معتبرًا أن الموظف يؤدي عمله؛ ليحصل على مرتب في نهاية الشهر، ولا يمكن أن يقوم بدور الأب، والمعاملة لا تتم بشكل مقنع، بل تغلب عليها القسوة، مما يؤدي بهم إلى ردة الفعل السلبية.
16.كفالة الأسر لهم تزيد من شعورهم بالغربة، فعندما يصل أحدهم إلى سن البلوغ، تحتجب عنه نساء الأسرة التي تكفله، فيشعر كأنه فقد أسرته مرتين.
17.القسوة التي نتعرض لها في التربية تجعل الكثير منا عرضة للجوء للمخدرات، التي تجعلنا نهجس بالانتقام ممن أساء لنا.
* مساحة الجرح.
من كلام هؤلاء المكسورين ندرك أبعاد وآثار هذا الجرح:
* فمن طفولة محرومة من: الأبوين، والإخوة، والأقرباء. محرومة من الأسرة والبيت..
* إلى ألم نفسي، وجرح عميق يكبر مع العمر واكتشاف الحقيقة.
* ومن عجز عن تصور ماهية وكيفية العلاقة الأسرية، ودفء الأمومة، وعاطفة الأبوة..
* إلى إحباط وتحطيم نفسي، ورغبة عن: الجد، والاجتهاد، والتحصيل.
* ومن نظرة سيئة من المجتمع، وإهانة وشتم يجرح الجرح نفسه، فيزيد في ألمه..
* إلى خوف من استغلال الآخرين لهم، لضعفهم وانعدام السند والعضد.
* ومن انعدام الحاضن والراعي، واللجوء إلى البيوت المهجورة، والانحراف الخلقي..
* إلى الميل إلى العدوانية، والانتقام.
* ومن الغربة، والوحشة، والوحدة القاتلة..
* إلى الرغبة في الهجرة إلى دول أوربية، غير مسلمة، لا تعير للأسرة قيمة، ولا تشترط لتقدير الإنسان واحترامه: ولادته من طريق شرعي؛ لعله يسترد شيئا من كرامة مفقودة، ويداوي نفسا مجروحة. مع ما قد يتعرض له من الفتنة في الدين؛ بالكفر بعد الإيمان..!!.
هي جروح، وليست واحدة: جرح في النفس، وجرح في العزة والكرامة، وفي العلاقة بالمجتمع.
فمن المتسبب في هذا القدر الكبير من الجروح المتشابكة، المتداخلة، الدائمة، التي إن حل بعضها، فبعضها الآخر لن يحل أبدا ؟.
إنها من قبيل النار إذا أحرقت شيئا، فكل شيء له علاج إلا الموت، والحرق .. ؟.
* كيف حصل هذا الجرح؟!.
ما ورد مؤلم، ومؤسف، ومحزن؛ فإنسانيتهم مظلومة، منتهكة، مجروحة جرحا لا يزول.. نعم لا يزول، وكيف له أن يزول ؟!!. وإن أول ما يقوله القائل هنا:
* من الذي جنى عليهم، فجرحهم هذا الجرح البليغ ؟، وهل يمكن القَوَد منه ؟.
الذي جرحهم: نصل حادّ؛ نافذ، قاطع، يهتك، هو: العلاقة الجنسية المحرمة (= الزنا) .!!.
والقصة تبدأ من النفس، التي جعل فيها غريزة الشهوة للجنس، والتلذذ به، وبها مال الذكر إلى الأنثى، والأنثى إلى الذكر . ولم يكن هذا الميل - في أصله - معيبا؛ إذ به تتحقق: المودة، والرحمة، والسكن، والتناسل. إنما العيب إذا اتخذ للتعبير عنه وسيلة غير مشروعة، هو: الزنا. دون الوسيلة المشروعة: الزواج.
وفي هذه القصص الجريحة: اتخذت وسيلة غير مشروعة..؟!.
ليس شيء يحدث فجأة، بل بمقدمات، فقد كان لهذا الميل غير المشروع مقدمات، أغرت به، هي كذلك غير مشروعة، من: نظرة - فتقارب - فكلام - فغزل - فلين - فميل وتعلق - فموعد - فلقاء - فعلاقة آثمة أنتجت: طفلا مجروحا..!!. من قبل اثنين، هما رجل وامرأة، التقيا على سخط الرب تعالى، وافترقا عليه، وتحملا جروح وآلام هذا الوليد الضعيف؛ الذي يفترض أنه ولد لهما، لو كان من طريق مشروع.
كلاهما اشتركا في هذه المقدمات عن قصد ودراية بالعواقب، وكان لكل منهما في هذه الجناية نصيب.
ولم يكونا وحدهما صاحبا هذه الجناية، بل كانا الممثلان المنفذان لخيوطها الأخيرة، المتصلان بها مباشرة:
* ومن ورائهما الذي نسج، وخطط، وأحب هذا المشهد، وتمناه وسعى إلى إيقاع الجنسين فيه.
* من ورائهما الذي ساعد، وخدم، وأعان، وفتح الباب، دون أن يدرك أنه يعين على جريمة.
فتلك الجناية ومقدماتها من فعل هذين، أما الخطوات الأولى فهي من فعل غيرهما؛ إذ لم تكن المقدمات والجناية إلا ثمرة وأثرا عن خطوات يسرتها، وأغرت بها، وفتحت الطريق إليها، هي:
1.قنوات فضائية: تعرض النساء كاسيات عاريات، يلبسن ما يبدي ويجسم، متغنجات، مائلات مميلات، يمثلن أدوار الزوجات والعشيقات، في: الأفلام، والفيديو كليب، وأكاديمي ستار.. وغيرها من برامج الانحلال. يحصل فيها ما يكون بين زوجين، إلا النكاح الصريح، الذي تكفلت به القنوات الإباحية..
2.مجلات وصحف تفعل الفعل نفسه الذي تفعله القنوات، بالصورة والكلمات.
3.قصص وروايات تحسن، وتشجع، وتصف العلاقات المحرمة وصفا، يميل بالنفوس إليها.
هذه الأسباب خطيرة؛ لأنها تدعو بالتصريح، وبالإشارة والتلميح إلى إقامة مثل هذه العلاقة المحرمة.
وهذا أمر لا يخفى على أحد، يعرف حال هذه الوسائل، ومع ذلك فهي لم تكن لتكون فعالة، ذات أثر، لولا جملة من الأسباب الأخرى، التي فتحت الباب لحصول هذا الإثم. وهي:
1.خروج المرأة من بيتها، في زينة ظاهرة، وفتنة بادية، في عباءة كأنها الفستان، في الجمال وبيان المفاتن.