لكن ليس هذا هو الأمر الوحيد الكافي لتجنب هذه المشكلة، هناك أمر مهم، دل على أهميته: عناية الشارع به. وهو: اجتناب الفتنة، والبعد عنها. فمن تعرض للفتنة تعرضت له، ومن تجنبها سلم منها.
وإن الفتنة هنا هي: الغرائز المشتعلة بين الجنسين. التي لا يمكن لأحد أن ينكرها، إلا إذا أراد أن يعبث بالحقيقة، وعقول من يقبلون العبث بعقولهم..!!.
أو أراد أن يكذب النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول:
( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) . 8
وإذا أراد هذا الولي أن يعرف قدر هذه الفتنة، فعنده شاهد من نفسه، فليختبرها:
* كيف هي عند امرأة أجنبية، أعجبه جمالها، ودلّها ودلالها ؟.
فإن كانت نفسه ماتت لكبر سنّ، أو مرض، أو همّ، فليتذكر:
كيف كانت لما كان شابا، نشطا، خاليا من الأوهام، والأمراض ؟.
هذا الشاهد يعطيه فتوى بخطأ ما أقدم عليه، اتكالا على التربية، والتوعية وحدها؛ فالعقل والدين يقول:
* اجتنبوا الاختلاط. فإنه يفضي إلى المحرمات من العلاقات؛ لأن النفس تجوع إلى الجنس الآخر كل حين.
2.المسؤول الذي سمح بالاختلاط، في المكان الذي هو مسؤول عنه: مؤسسة، أو شركة، أو جامعة
فهناك من هذا الصنف من يظن: أنه لا بأس بهذا الاختلاط. وأنه ينفع العمل، ولا يضره، ما دام قائما على الحشمة، والحجاب؛ يقصد تغطية الرأس.. مادام الوعي موجود، وهو في هذا:
* مأخوذ بقوانين الحضارة الغربية، يظنها مفروضة لازمة للتطور.
* مأخوذ بفكرة المساواة بين الجنسين، وأنه لا فرق بينهما.
فهذا يقال له ما قيل لولي أمر المرأة آنفا: أن عنده شاهد من نفسه، فليختبرها عند فتاة أعجبه دلّها.
ويضاف إليه: أن التجربة كفيلة بالبرهان؛ فالمجتمعات الغربية بدأت بالاختلاط، في كل المجالات، ثم تبعتها مجتمعات عربية وإسلامية، فماذا جنت من هذا الاختلاط ؟.
* جنت وحصدت العلاقات المحرمة، وما ينتج عنها من اللقطاء، وما يتبعها من المآسي.
* جنت ظلم المرأة، وامتهانها، وسلبها كرامتها، وتحميلها ما لا تطيق، فعليها العمل في البيت والوظيفة.
* جنت الأمراض النفسية، والعصبية، حتى كثرت العيادات النفسية، وكثرت مراجعة النساء لها خصوصا.
ويكفي لبيان خطر الاختلاط ونتائجه السيئة: أن دولا من هذه بدأت تفصل بين الجنسين في المدارس والجامعات، وهذا موجود في أمريكا، وبعض دول أوربا.
3.المتفقه الذي زعم أن الشريعة تبيح الاختلاط، ولا تحرمه.
فهذا يقال له: انظر وتأمل في الشاهدين الآنفين: الشاهد الذي من النفس، والشاهد الذي من التجربة.
فإنه كاف في نقض ما زعمته، ومع ذلك فإن لديك شبهة، تظنها دليلا معتمدا في دعواك:
* أن النساء كن يخرجن للأسواق، للبيع والشراء.
* وإلى المساجد للعبادة.
* وفي الجهاد، للعون والمساعدة، وتمريض الجرحى.
* وكن يختلطن في الطواف بالرجال.
فهذه أدلة يحتج بها هؤلاء، لكنها ليست محل النزاع، ولم يمنع منها أحد، والذي حرموا الاختلاط لم يقصدوا هذا النوع، إنما قصدوا:
* الاختلاط الذي يزول به الحجاب، والحاجز بين الجنسين: حتى تغدو العلاقة بينهما كالعلاقة بين الجنس الواحد. فتكون المرأة زميلة وصديقة للرجل، وكذا الرجل زميل وصديق للمرأة.. وكل اتصال بينهما ليس له حاجة شرعية.
فالمقصود بالمنع من الاختلاط: أن يكون للمرأة عالمها الخاص، وللرجل عالمه الخاص، فلا يتحد العالمان إلا بطرق مشروعة: محارم، زواج. ليس الالتقاء والاجتماع العابر، لسبب صحيح، يقبل به الشرع.
فإذا طبق هذا التعريف على ما ذكر من الأدلة المحتج بها: لم ينطبق. فلذا قلنا: إنها في غير محل النزاع.
ثم ليتأمل هذا المبيح للاختلاط في النصوص التالية:
* نصوص تأمر بغض البصر.
* نصوص تصف المرأة بأنها فتنة الرجال.
* نصوص تجعل صفوف النساء آخر المسجد، وتخبر أن شرها أولها؛ كونها أقرب للرجال، وخيرها آخرها؛ كونها أبعد عن الرجال.
* نصوص تجعل للنساء بابا خاصا في المسجد.
* نصوص تنهى عن مخالطة النساء الرجال في الطرقات، وتأمر النساء بالمشي في الحافات.
* نصوص تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم خصص للنساء يوما للتعليم.
* نصوص تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم ما جمع الرجال والنساء في مجلس علم، أو شورى.
* نصوص تأمر المرأة بالقرار في البيت، وأن صلاتها فيه خير من صلاتها في مسجده.
* نصوص تأمر المرأة بالحجاب، وعدم اللين في الكلام مع الرجال.
كيف لكل هذه الأحكام أن تطبق مع الاختلاط، مع كون المرأة والرجل الأجنبي في غرفة واحدة، ومكان واحد يلتقيان دوما، كل يوم بداعي العمل، أو العلم ؟.
إنه الحق واضح، كالشمس في رابعة النهار، لا يزيغ عنه إلا هالك، وإن الشارع لا يأمر بالشيء ونقيضه..
وإذا كانت هذه النصوص مع كثرتها لا تفيد منع الاختلاط، فأي فائدة إذن في سوقها، وكثرتها ؟!.
* بين الفريقين ؟.
فأما المفسدون، الذين يعلمون بثمرة عملهم، ويحبون ذلك، وهم:
* قلة من أولياء الأمور.
* وقلة من الذين يسمحون بالاختلاط في الأمكنة التي هم مسئولون عنها.
* وأولئك الذين يستغلون وسائل الإعلام لترويج الفساد.
فهؤلاء يحبون الفاحشة، ويعرفون أنهم متسببون في مآسي هؤلاء المساكين من الأطفال؛ لذا فهم ساكتون، وإن تكلموا فتعرف اللحن في كلامهم.
أما الذين تسببوا في الجناية بغير قصد، الذين لا يرضون بالإثم، وهم:
* بعض أولياء الأمور.
* وبعض الذين يسمحون بالاختلاط في الأمكنة، التي هم مسئولون عنها.
* والذين يفتون بجواز الاختلاط، من المشتغلين بالشريعة.
فإنهم قالوا: لسنا جزءا من المشكلة، ونحن لا نرضى بهذه العلاقات الآثمة. وإذ سمحنا بالجمع بين الجنسين فنحن نقصد تهيئة علاقات طبيعية بين الجنسين، ليس فيها شبق ناتج عن فصل متعسف، مبناها على الثقة المتبادلة والاحترام. فالمشكلة ليست في الاختلاط إذن، إنما في قلة الوعي، والتربية، وفي آلات الإعلام.
وقبل الجواب يقال: قد تبين أن السبب ذاته يرتكبه فريقان، يكون أحدهما: آثما. والآخر: مغفورا له. فأولياء الأمور الذين أذنوا لمحارمهم بالاختلاط بالأجانب، وأولئك الذين يأذنون بالاختلاط فيما يقع تحت مسؤولياتهم:
* فيهم من هو آثم؛ كونه يعلم بما يترتب عليه من الآثام، ولا يبالي.
* وفيهم من هو مغفور له إن شاء الله تعالى، غافل غير مدرك، اشتبه عليه، لو أدرك الحقيقة لما أذن.
ثم يقال لهذين الصنفين، اللذين عندهما كثير من حسن الظن، وقليل من الإدراك والوعي:
قد أقررتم بأن آلات الإعلام لها دور في هذه المشكلة. وأنتم لا تملكون منعها، أفلا منعتم ما تقدرون منعه، فامتنعتم من انتهاك جدار الحجاب، فتركتموه كما هو ؟.
فما حاجتكم إلى دفع المرأة إلى الاختلاط، وقد علمتم أن آلات الإعلام تفعل فعلها إذا حصل الاختلاط ؟.
ثم من أين لكم أن التربية والتوعية وحدها تكفي في تجنب هذه المشكلة ؟.
هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه: ربى أصحابه فأحسن تربيتهم. وربى أهله بيته فأحسن تربيتهم.
* فهل رأيتموه جمع بعد ذلك بين: أصحابه، وأزواجه، وبناته، ونساء الصحابة في مجلس واحد: للشورى، أو للعلم، أو للعمل، أو للتحضير للغزو، أو في السفر، أو في الحضر ؟.
* هل رأيتموه يدعو إلى الجمع بين الجنسين ولو في نص واحد، بدعوى المساواة، وإعطاء المرأة حقوقها ؟
* هل رأيتموه يأمر المرأة أن تخرج من بيتها، لتشارك الرجل الأجنبي في بناء المجتمع المسلم ؟.
* أم رأيتموه يأمر بقرارها في البيت، حتى جعل صلاتها في بيتها خير من صلاتها معه في مسجده ؟.