فهرس الكتاب

الصفحة 849 من 2255

أما المنهج العلمي للطبيب المسلم فقائمٌ على عدم إغفال جهةٍ على حساب الأخرى، فلا يؤدي إعمال دليل الحس والمشاهدة التجريبي إلى إغفال دليل النقل الشرعي،كما لا يؤدي سوءُ فهم ما وصل بطريق النقل الشرعي إلى تعطيل ما سخره الله تعالى لنا بطريق الحس والمشاهدة العقلي، بل يُنزل كلًا منهما منزلته، بلا إفراط ولا تفريط، ويجمع بين مقام:"سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا"32، ومقام:"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا"33، وبهذا المنهج يدرك الطبيب المسلم الحدود التي يقف عندها العلم التجريبي فلا يُقحمه في الروحانيات والغيبيات، كما يدرك قيمة ما أظهره الله تعالى لنا من غيبيات عن طريق الوحيين - الكتاب والسنة - فلا يؤدي جهله بها إلى استهتاره واستهزائه بها والعياذ بالله، ويدرك أيضًا أن طريق التجربة مهما كان فإنه لا يرتقي إلى مصافِّ القطعيات الشرعية، فيركن مطمئنًا إلى تلك القطعيات، ويحذر من أن يؤتي من قِبل سوء الفهم، وكلما بدا له تصادم أو تناقض الشرع مع العقل اتهم عقله ولم يتهم النص الشرعي البتة اللهم إلا من جهة سوء فهمه وإنما مَردُّ ذلك إلى عقله، فكانت التهمة منصرفةً إلى العقل دومًا بلا ريب، وانظر كيف قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل العظيم فقد روى أبو سعيد أن رجلًا أتى النبيَ صلى الله عليه وسلم فقال:أخي يشتكي بطنه،فقال:اسقه عسلًا. ثم أتاه الثانية ،فقال:اسقه عسلًا، ثم أتاه الثالثة، فقال: اسقه عسلًا،ثم أتاه فقال قد فعلت، فقال:"صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا، فسقاه فبرأ34. وفي رواية:"إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا"35، فهذا موقفٌ تعارض فيه ظاهر الحس مع ظاهر الشرع، فرده النبيُ صلى الله عليه وسلم إلى النص لأنه من الله ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولقد نبه ابن قيم الجوزية رحمه الله على أن هذا الحديث يدل على ضرورة أن يكون المريض محلًا قابلًا لهذا الدواء الشرعي وأن يكون مُوقنًا به وإلا فإنه لن يجد فائدته."

والحاصل أن الشريعة وإن لم تكن موضوعة في الأصل لفن الطب، إلا أنها لما كانت موجهةً لطب القلوب ومعافاتها كان للبدن الحاوي لتلك القلوب نصيبٌ من العناية، وكان حريًا بالطبيب المسلم أن يكون ملمًا بما جاءت به الشريعة والهدي النبوي من توجيهات منثورة هنا وهناك تحفظ للأبدان عافيتها كما تحفظها للقلوب، ثم إن على الطبيب المسلم أن يُنزل هذا الهدي النبوي منزلته اللائقة، فيدرك ويوقن ارتقاءها فوق ما تأتي به التجارب والمشاهدات الحسية التي لا تخلو من خطأ أو احتماله، ولقد ذكر ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى كلامًا نفيسًا في هذا المعنى حيث قال:"ونبين أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة طب الطُرُقية والعجائز إلى طبهم، كما اعترف به حُذاقهم وأئمتهم"36، وإن فهم هذا يسيرٌ عند من يدرك أن طب العجائز والطرقية قوامه الجهل، وأن طب الطبائعيين قائم على علم الحس والمشاهدة والتجربة الذي يتطرق إليه الاحتمال، وأن طب النبوة قائم على الوحي المعصوم فحصل من الاطمئنان إلى هديه صلى الله عليه وسلم في الطب أضعاف أضعاف ما حصل من الاطمئنان إلى طب الطبائعيين نسبة لطب العجائز، فتأمل.

ولما كان علم التجربة والمشاهدة مقتصرٌ في أوليته على ما يشهده الباحث والمجرِّب ومن ثمَّ يكون نشره قائمًا على أساس النقل، كان منهج التحري الدقيق لما يزعم نسبته إلى العلم قائمًا على تحري أمانة النقل وصحة الدليل.

وإنما تعرف صحة النقل بأمانة الناقل ونزاهته، وتعرف صدق الدعوى بالنظر فيما أقيم عليها من حجج، فلا تكن أيها الطبيب المسلم أسير المجلة العلمية الفلانية أو الهيئة الطبية الفلانية تأخذ مقولاتها بغثِّها وسمينها، ولا تميز ضارها من نافعها، فليس كون المجلس الطبي أو العلمي منتسبًا إلى الشرق أو الغرب هو دليل الصحة والأمانة، بل اجعل منهجك قول الحق:"الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"37، وأُحذرك أيها الطبيب المسلم من أن تكون حاطبَ ليلٍ أو زاملةَ أخبارٍ لا تميز حقًا من باطل فتُروِّج على المسلمين ما يوافق هوى الأعداء متلبسًا بلبوس العلمِ والعلمُ منه براء، فحذار أن تغرك ترهات فرويد، وحذار أن يغرك كذب داروين، وحذار أن تصدق دعاوى سلامة الفكر الشذوذي38 بحجة دراسة علمية مزعومة، وتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يتبيَّن فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق"39

وإن من درر هذه الحلية أيضًا أن يحرص الطبيب المسلم على تحقيق الموازنة في تحصيل ما يحتاجه من العلوم الشرعية والعلوم الكونية في سياق مهنته الطبية، فلا يؤدي الانشغال بعلوم الشريعة الخاصة إلى العزوف عن العلوم التجريبية الضرورية لصيانة صحة المريض، كما لا يؤدي الإغراق في ما لا طائل منه والانكباب الكلي على العلوم الطبية التجريبية إلى الزهد في رصيد الهدي الشرعي العظيم في باب الطب، بل يعطي كل علمٍ حقه ويضعه موضعه دون إفراط ولا تفريط، ودون الخلط بين ما يصلح في مقام مع ما يصلح في مقامٍ آخر، وليعلم أنه مؤاخذٌ شرعًا عندما يؤدي تفريطه في ضبط علوم المهنة الخاصة إلى إلحاق الضرر بالمريض أو ربما تفويت المصلحة الأكمل له، فمنزلة الطبيب المسلم من صحة مريضه كمنزلة الوصي في مال اليتيم؛ فلا يكفيه حسن النية في حفظه بل لا بد من أن يجتهد في تحصيل أسباب حماية المال وتنميته وحفظه من الضياع.

ولما كانت مسألة المنهج العلمي بحاجة إلى تفصيل وتحرير فإني أجد من لوزام بيان هذه الحلية بيان معالم هذا المنهج بشيء من التفصيل على النحو التالي:

فصل: المنهج العلمي للطبيب المسلم40

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت