فهرس الكتاب

الصفحة 850 من 2255

إن مهنة الطبيب من أنفع المهن لا ريب، وإن فضل الله عز وجل ومنَّته على من تعلم شيئًا من علوم هذه المهنة فضلٌ عظيم، لما يترتب عليه من النفع الوفير والخير العميم للطبيب والمريض إذا ما أحسن تطويعَ هذا العلم للغاية المحمودة، ولم ينجرف في مهالكه المذمومة، ومعلومٌ أن مهنة الطب يُراد بها من حيث الوضع تطبيب الأبدان والمحافظة عليها، وقايةً مما يضر بها وعلاجًا لما يعتورها من أعراض ضارة، وعند هذا المشهد تجد الخلقَ مفترقين إلى ثلاث فرق هي طرفان وواسطة؛ أما طرف الغلو والإفراط فيذهب في سبيل خدمة البدن والمادة كل مذهب، لا يقف عند حدٍ ولا يرعوي عن الشطط المُلهي عما هو أَولى، وهذا هو مسلك الماديين من عشاق الدنيا وصرعى الهوى، لسان حالهم قوله تعالى:"وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر"41، وأما طرف التفريط فقومٌ اعتزلوا الدنيا وحسبوا أنهم يرتقون بالروح حين يطلقون كل أسباب المادة، فزهدوا في الحلال الطيب مما سخره الله تعالى وعزفوا عن توجيهه سبحانه وتعالى:"ألم تر أن الله سخَّر لكم ما في الأرض"42 فأهلكوا أجسادهم بالحرمان من أسباب صلاحها، بل ربما تفننوا في إنزال صنوف العذاب والأذى بأنفسهم وهم يرتقون بالروح التي لم ولن يعوا حقيقتها ناهيك عن أسباب صلاحها وهذا مسلك الرهبنة المذمومة، وفيما بين مشهدي الإفراط والتفريط كان مشهد أهل الحق كما هو الوصف الثابت لهذه الأمة:"وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا"43 حيث أذنت - بل حثت - الشريعة على رعاية الأبدان، ولكن دونما غفلة عن الغاية من ذلك ألا وهي حفظ القلب؛ فأنت تجد القرآن الكريم يقرر مرض البدن وينبه إلى مراعاته كما في قوله تعالى:"فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسك"44، ولكن الشريعة لم تقف عند حد البدن بل نبَّهت إلى أمراض أخطر هي أمراض القلوب والتي تنقسم - كما نبه الحافظ ابن حجر والعلامة ابن قيم الجوزية - إلى مرض شُبهة كما في قوله تعالى:"في قلوبهم مرض"45، ومرض شهوة كما في قوله تعالى:"فيطمع الذي في قلبه مرض"46، والشاهد أن أصحاب مشهد الحق من أتباع الرسالة المحمدية قد فازوا بقصب السبق في مجال الطب والعلاج، كيف لا وقد جاءت شريعته صلى الله عليه وسلم جامعةً بين طب الأبدان وطب القلوب، بل إن رعاية الأبدان ما جاءت إلا تبعًا وتكميلًا لحياة القلوب وصلاحها ،قال تعالى:"يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تُحشرون"47، فليس بطبٍ إذًا ذاك الذي يتعهد الأبدان والأوزان والأحجام فحسب، وليس بطبيب حقًا ذلك الذي يراعي القلب من حيث إنه عضلة والعين من حيث إنها آلة إبصار والأذن من حيث إنها آلة سمع ونحوه، وإنما الطبيب حقًا الذي يحافظ على هذه الوسائل وقايةً لصاحبها من أن ينتهي به المطاف إلى مثل قوله تعالى:"أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"48.

فإذا عُلم ما تقدم تبينت ضرورة تحرير الطبيب المسلم لمنهجه العلمي الذي يبني عليه وسائل تشخيص وتقييم وتطبيب مرضاه، والأصل في هذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من تطبب ولا يُعلم منه طب فهو ضامن"49، فهذا أصل ودليل واضح على ضرورة صدور الطبيب عن علمٍ ، ولهذا وجب تحرير منهج الطبيب المسلم من حيث أنواع الأدلة العلمية الطبية، والجمع بينها عند التعدد، والترجيح بينها عند التعارض، وبهذا تكتمل آلة تحصيل العلوم اللازمة للطبيب المسلم فيخرج من العهدة عند ممارسة المهنة ملتزمًا بهذا المنهج إن شاء الله.

فصل: أنواع الأدلة العلمية الطبية:

ينقسم الدليل العلمي عمومًا إلى خبرٍ صادق أو حسٍ مشاهَدٍ صحيح، قال تعالى:"قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شِرك في السماوات ائتوني بكتابٍ من قَبل هذا أو أثارةٍ من علم إن كنتم صادقين"50 فأشارت الآية إلى نوعي الأدلة العلمية ؛ فالدليل العقلي القائم على الحس والمشاهدة والتجربة الصحيحة مفقودٌ عند عُبَّاد هذه الآلهة المزعومة حيث لا يوجد خلقٌ خلقوه ولا جزء من الكون يملكونه أو يتصرفون فيه بمشيئتهم فانتفى كونهم آلهة لعدم الخلق وعدم التصرف المطلق، والدليل النقلي الصادق مفقودٌ أيضًا فلا كتاب سماوي سابق ولا هذا الكتاب - أي القرآن - سمى أحدًا إلهًا إلا الله سبحانه وتعالى فانتفى كون غيره إلهًا بطريق النقل أيضًا، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى (أو أثارة من علم ) :"أي دليل بيِّن على هذا المسلك الذي سلكتموه، (إن كنتم صادقين) أي لا دليل لكم لا نقليًا ولا عقليًا"51، انتهى. فأنت ترى في سياق الاستدلال على أعظم حقيقة في الكون - حقيقة التوحيد - أن الآية قد استوعبت أنواع الأدلة في نقل صحيح أو عقلٍ صريح ولا ثالث لهما إلا اجتماعهما ولا تناقض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت