فإذا عُلم ما تقدم تمحض لدينا لنا السؤال عن أنواع الأدلة التي تتعلق بعلوم الطب، لا سيما وأن الأصوات والدعوات تتوالى علينا تترى معاشرَ الأطباء من أجل ممارسة ما يُسمى"الطب القائم على الدليل"، ولعمري إن هذه الدعوة قد جاءت عند القوم المتبجح بحضارته متأخرةً الشيء الكثير، ولقد بينّا لك سبْق القرآن الكريم في تقرير أسس العلم المقبول - أعني النقل الصحيح أو العقل الصريح أو هما معًا - فهل أدلة علوم الطب المعتبرة هي أدلة العقل فحسب أم أدلة النقل فحسب أم دليلهما معًا؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال أقول - وبالله التوفيق - إننا حين نؤصل للمنهج العلمي الطبي مفتتحين بالنصوص الشرعية فإننا لا نقصد تزيين كتب الطب وجدران المشافي ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما أننا لا نتكلم عن طبٍ بديل كما يشيع اليوم الاصطلاح على أساليب المعالجة غير التجريبية كالطب الشعبي ونحوه، وإنما نتكلم عن التأصيل العلمي الشامل المستوعب للأدلة العلمية التي خوطبنا بها، إننا نتكلم عن الطب الأصيل حقيقةً، وهذا ما يجب أن يدركه كل طبيب مسلم اليوم؛ فالطب الأصيل هو الذي يراعي شمولية المنهج وشمولية احتياجات المريض، ولا يوجد تضاد في الحقيقة بين الطب النبوي وبين الطب التجريبي المنضبط بل إن الأخير يندرج في الأول ولا عكس، وبيان ذلك أن ما ورد عن طريق الشرع من أدلة تتعلق بمسائل الطب ينقسم إلى نوعين؛ أحدهما عام يتعلق بأصول الشرع المقرِّرة لمبادئ المداواة والموجِّهة للإنسان كي ينظر ويجرب ويستخرج مما سخره الله تعالى له في الكون من وسائل علاج ودواء ونحوه، والثاني خاص ورد في بيان أدوية مخصوصة لأدواء مخصوصة كنموذج تطبيقي لمبادئ العلاج العامة، بل قد يكون لذكر هذه الأدوية الخاصة هدف تشريعي مؤداه أن يبين الشارع للمكلف أنه لا بأس في تعاطي أسباب معينة للاستشفاء من أمراض معينة، وأن هذا لا ينافي التوكل ولا يعارض القدر ولا يمنعه الشرع،كما يشمل هذا النوع الثاني أيضًا بعض ما يتعلق بالأمراض من أمور شرعية كالأحكام الفقهية المترتبة على وجود المرض كطهارة أهل الأعذار، والمسائل الغيبية المتعلقة بالمرض كالثواب والعقاب وغيرها، وأنت ترى أن ما يَرِدُ من مسائل طبية توقيفية عن طريق الشرع يستحيل على طريق العقل بلوغه والكشف عنه مستقلًا،ولعل بعض الأمثلة في سياق البحث توضح ذلك بجلاء. وبمثل هذا التفصيل يمكننا أن نستوعب ما نقلناه سابقًا عن الحافظ العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى حيث قال:"ونبين أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة طب الطُرقية والعجائز إلى طبهم، كما اعترف به حُذاقهم وأئمتهم"52، نوَّر الله قبره ووسع مدخله.
وحاصل ما تقدم أن الأدلة التي يُتوصل بها إلى علم الطب نوعان: دليلٌ نقلي من مصادر الوحي المعصوم، ودليلٌ عقلي من مصادر الحس والتجربة المحتملة للخطأ والصواب . وأريد أن أنبه إلى أن من العلوم الطبية ما لا يمكن التوصل إليه إلا بطريق النقل أصلًا، ومنها ما لا يمكن التوصل إليه إلا بطريق التجربة والحس والمشاهدة لانقطاع الوحي، ومنها ما يتواتر فيه دليل النقل ودليل العقل فلا إشكال. وببلوغنا هذا القدر من التأصيل والتفريع نكون محتاجين إلى بسط بعض الأمثلة التي توضح ما ذكرنا وتبينه بالمثال.
النوع الأول من الأدلة: دليل النقل:
ونقصد بالنقل بطبيعة الحال ما ورد بطريق القرآن والسنة النبوية، مع ملاحظة أن القرآن الكريم كله يفيد العلم القطعي أما السنة النبوية فلا بد من تحري الصحيح منها والمقبول53. هذا وإن الأمثلة عديدة جدًا في هذا الباب وسوف أكتفي بإثبات بعضها، ولكن أعود فأنبه إلى أن ما ثبت من علوم الطب بطريق النقل ينقسم إلى نوعين؛
أحدهما: نوع يمكن ثبوته أو التوصل إليه بالحس والتجربة فيكون دليل النقل فيه موردًا من موارد الإعجاز ومسلكًا من مسالك الهداية إلى ما فيه نفع الناس ومثال هذا النوع ما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إن هذه الحبة السوداء شفاءٌ من كل داء إلا من السام"54 فهذا دليلٌ نقلي على وجود خصائص علاجية في الحبة السوداء، وهذا فضلًا عن كونه ثابتًا بطريق النقل فإنه يمكن التعرف عليه عن طريق التجربة والحس والمشاهدة، 55 ولكن طريق النقل أثبته لنا على سبيل الهداية إلى ما ينفع الناس في أبدانهم من جهة، وإلى ما ينفع الناس في قلوبهم ودينهم من جهة أخرى حيث أيَّد النبي صلى الله عليه وسلم بدلائل الإعجاز التي تشير إلى صدور الوحي من الله عز وجل، فتأمل.
والثاني: نوع لا يمكن ثبوته إلا بطريق الوحي المعصوم فيجب الوقوف عنده وعدم التقحم فيه بغير آلة، ولك على ذلك مثال من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الحمى من فيح جهنم ، فأطفئوها بالماء"56 والشاهد في الشطر الأول من الحديث، فقوله صلى الله عليه وسلم"الحمى من فيح جهنم"خبرٌ صحيح، ولكن هذا المخبر عنه مما لا يمكن التوصل إليه بطريق العقل والتجربة البتة، فتأمل. وأما الشطر الثاني من الحديث فيتناول أحد أنواع العلاج من الحمى ولا يعني أن الماء علاج لكل أنواع الحمى57،فينبغي التنبه لذلك احترازًا من سوء فهم وسوء تطبيق الحديث. ويندرج تحت هذا النوع من الأدلة كل ما أخبر به المعصوم صلى الله عليه وسلم من الأمور التوقيفية المتعلقة بعيادة المرضى وممارسة المهنة وغيرها، ومثال ذلك ما ورد من حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرفة58 الجنة حتى يرجع"59، فهذا مما يتعلق بممارسة الطبيب مهنته حيث يجدر به أن يحتسب تفقده المريض في المشفى أو في زيارة منزلية عيادةً يتقرب بها إلى الله تعالى.
النوع الثاني من الأدلة: دليل العقل:
لقد جاءت الشريعة بجواز التداوي، وحثت على النظر والتأمل والبحث عن أسبابه على الأصل من إباحة ما سخره الله تعالى لنا من الطيبات،فلقد قال تعالى:"وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"60، وقال تعالى:"اليوم أُحلَّ لكم الطيبات"61، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً"62 علمنا أن هذا الإنزال شامل لما نزل على لسان الوحي ولما نزل على سبيل التقدير قضاءً من الله تعالى وهو ما نحن بصدده، وقد تقدم الكلام عن الأول، أما الثاني فيتناول أنواع الأدلة العقلية من حس ومشاهدة وتجربة، ولعل هذا هو الأكثر في مجال العلوم الطبية لأن نصوص الشريعة لم تأت لاستيعاب العلوم الكونية وإنما جاءت موجهةً إليها63، فمن هذه الأدلة ما هو قائم على الحس والمشاهدة كعلم التشريح، ومنه ما هو قائم على التجربة كعلم الدواء والكيمياء وهكذا.