فهرس الكتاب

الصفحة 852 من 2255

بقي أن ننبه على أمرٍ مهم يغفل عنه كثيرٌ من الناس والأطباء، وهو أن مستند الحس والمشاهدة والتجربة في علوم الطب ينطبق على قلةٍ قليلة من الأطباء والباحثين، وهي القلة التي تقوم بهذه التجارب والأبحاث فعلًا وتباشرها بنفسها، أما السواد الأعظم من الأطباء وأهل الفن فإنما يتلقون نتائج هذه المشاهدات والتجارب عن طريق النقل، كما هو معهود من طريق المجلات والدوريات العلمية والمؤتمرات والندوات والمحاضرات وغيرها من الوسائل التي هي في حقيقتها وسائط نقل أخبار لا وسائط تجربة وحس ومشاهدة، وإذا كان الأمر كذلك فإن التحقق من صحة هذه الأدلة العقلية في أصلها لا يتحقق إلا بأمر من اثنين أو باجتماعهما؛ أحدهما هو التثبت من نفس الدليل العقلي عبر تكرار التجربة والاستشكاف والتوثق من نتائجها، والثاني هو التحقق من صدق الناقل عبر تحرير صفات الأمانة والعدل التي تمنع الناقل من الكذب فيما يخبر عنه، فإذا اجتمعت الوسيلتان كان أثبت وأضبط بلا ريب. ولهذا وجب عليك أيها الطبيب أن تكون فطِنًا، فلا يُغرر بك مقال في مجلة طبية مرموقة، ولا نتائج بحث تصدره منظمة دولية، ولا قرارات اجتماع طبي أساسها الرأي المحض، بل اعلم أن كل ما يأتيك خبره من علوم طبية حديثة متجددة فهو خاضع للبحث والتثبت بإحدى الوسائل السابقة، والحق أن هذا الأمر - أعني التثبت من الأخبار الطبية - يستلزم منا وضع منهج متكامل نعرض عليه ما يردنا من أخبار في هذا المجال لنحكم عليه بالصحة أو القبول المبدئي أو الرفض، ولعله يرد لاحقًا إن شاء الله تعالى.

فصل: العلاقة بين دليل النقل والعقل في علوم الطب:

إذا تقرر ما سبق برز التساؤل حول علاقة دليل النقل والعقل ببعضهما البعض في مجال العلوم الطبية،ولما كان تحرير هذه المسألة مهمًا فإننا نعرج عليه بإيجازٍ فيما يلي حيث نبين أهم معالم هذه العلاقة:

أولًا: التوافق والتكامل:

فأنت إذا علمت أن دليل النقل مصدره الوحي المعصوم وهذا راجع إلى الشرع، ودليل العقل مصدره الحس والتجربة الصحيحة وهذا راجعٌ إلى نواميس الخلق ، وعلمت أن كلًا من الشرع والخلق صادرٌ عن الحق سبحانه وتعالى، بان لك استحالة وقوع التعارض أو التناقض بين دليل عقلي صريح وخبر نقلي صحيح. وكل ما يعرض لك مما ظاهره التعارض راجعٌ إلى توهمِ معنى غير صحيح في صحيح المنقول، أو توهم دليل عقلي لا يرتقي إلى درجة القطع، أما أن يقع التعارض حقيقةً بين معنى صحيح لخبرٍ صحيح وبين معنى صحيح لعقل صريح فممنوع عقلًا وشرعًا وحسًا.

ثانيًا: دليل النقل في باب الطب معظمه مجمل ودليل العقل في باب الطب معظمه مفصل:

بمعنى أنك تجد في مجموع ما ثبت من النصوص الشرعية أصولًا عامة لمبادئ الطب مع جملة يسيرة من تفاصيل العلاج والاستشفاء، في حين تُرك تفصيل واستكشاف تفاصيل الأدوية والعلاج للعقل البشري يشاهد ويستنبط ويستفيد من تسخير الله تعالى لهذا الكون الفسيح له. ويجدر بنا أن نشير في هذا المقام إلى كلامٍ نفيس للحافظ ابن حجر في شرح مقدمة كتاب الطب للإمام البخاري، يقول عليه رحمة الله:"فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى إلى تفريقِ ما يضر بالبدن جمعُه أو عكسه64، وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه65، ومدار ذلك على ثلاثة أشياء: حفظ الصحة والاحتماء عن المؤذي واستفراغ المادة الفاسدة، وقد أشير إلى الثلاثة في القرآن ؛ فالأول من قوله تعالى"فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدةٌ من أيام أُخر"66 وذلك أن السفر مظنة النصَب وهو من مغيِّرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفِطر إبقاءً على الجسد، وكذا القول في الثاني وهو الحمية من قوله تعالى:"ولا تقتلوا أنفسكم"67، فإنه استُنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد، والثالث من قوله تعالى:"أو به أذى من رأسه ففدية"68 فإنه أُشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي مُنع منه المحرم لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن في الرأس"69اهـ. قلت: فهذه كما ترى أمور ومبادئ مجملة، وليس القرآن الكريم ولا السنة النبوية كتاب طب أو صنعة أو مهنة، وإنما هو كتاب توجيهٍ وإرشادٍ، فحسبك أمثال هذه النصوص من القرآن الكريم كي تنطلق في رحاب الكون الفسيح منقبًا عن نواميسه، مسخِّرًا لما فيه من أسباب قدَّرها الله تعالى لتكون مقدمات البرء أو وسائطه بإذن الله، وما هذه التفاصيل والجزئيات المتجددة يوميًا في عالم الطب إلا ثمرة من ثمار نعم الله تعالى علينا، لولا أنها يعوزها التنقيح والتجريد لفصل الصالح من الطالح كما هو موضوع هذه الرسالة.

ثالثًا: دليل النقل حاكمٌ على دليل العقل:

ولكن تبقى لمسألة العلاقة بين النقل والعقل أهميةٌ خاصة لمن عزم على هذه الانطلاقة - أعني الاستكشاف العقلي التجريبي - ألا وهي دور النقل في وضع ضوابط وحدود البحث والتطبيق العقليين ؛ فلا يجاوز حدود الحلال إلى الحرام، ولا يأتي بمنهجٍ أو طريقٍ علاجي يعارض أوامر الشرع أو يقارف مناهيه. تأمل معي ما ورد في الحديث أن طارق بن سويد الجُعفِي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها ، فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال:"إنه ليس بدواء ولكنه داء"70، وذكر البخاري في صحيحه بتعليقٍ جازم:"قال ابن مسعود في السَّكَر: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حُرِّم عليكم"71، والشاهد من هذه النصوص أن على الطبيب المسلم أن يلتزم في منهج البحث العلمي التجريبي أمرين؛ أحدهما الانطلاق من قواعد الشرع الثابتة فلا يتقحم الحرام ابتداءً، وثانيهما أن ما قد يتوهمه البعض من وجود الشفاء في المحرمات ليس إلا وهمًا باطلًاَ، لما تقدم من أن الله تعالى لم يجعل الاستشفاء المباح في ما منعته الشريعة من الحرام وإلا كان هذا تناقضًا من جهة الشارع وهو ممنوع قطعًا، والنكتة في المسألة أن تعلم أن ما قد يُتصور من نفع طبي في مادةٍ محرمة قد تكون موجودة في الواقع وفي نفس الأمر، ولكنها تُعتبر مصلحة أو منفعة ملغاة بحكم الشرع فلا يُلتفت إليها، أي أن وجودها وعدمه سواء، ودليل هذا قوله تعالى في الخمر والميسر:"قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر نفعهما"72، فالنص يثبت وجود منفعة يسيرة ولكنها ملغاة،ومعلوم أن حكم الشرع قد استقر على تحريمهما فلم تلتفت الشريعة إلى هذا النفع اليسير وأسقطته من الاعتبار. وهذه الضوابط كما تنطبق على وسائل الاستشفاء فإنها تنطبق أيضًا على النظريات الطبية، فلا يمكن قبول نظرية طبية تصادم النصوص الثابتة، ولا يمكن جعل هذه النظريات منطلقًا لأي منهج علاجي البتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت