فهرس الكتاب
لقد تقدم معنا في غير موضع أن الطبيب بحكم مهنته يطلع على ما لا يطلع عليه غيره من خصوصيات المريض، وهو بهذا مخاطَب على وجه أخص بعموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"134، فأما الإنكار باليد مع المريض فلا ريب أنه يفتقر إلى سُلطة، ولا يصح أن يبادر به الطبيب بغير سلطة يخوله إياها ولي الأمر أو من يقوم مقامه - كوزير الصحة مثلًا - أو إذن المريض نفسه، فمثال الأول أن يأذن أو يأمر ولي الأمر أو من يقوم مقامه بإتلاف ما يحوزه المرضى من شركيات يستشفون بها كتعويذة محرمة أو نُشرة135 محرمة، ومثال الثاني أن يأذن المريض للطبيب بأن يزيل وشمًا أحدثه في جسده مع انتفاء المانع136 وهكذا، وأما الإنكار باللسان فيراعى فيه أمرٌ مهم ودقيق وهو ألا يفضي إلى ضررٍ أكبر، وأنبه هنا إلى أن خوف الطبيب من أن ينفر المريض منه فيفضي ذلك إلى ترك التطبيب بما يفضي إلى ضرر بصحة المريض أو تلف عضو منه أو هلاك جسده هو ضرر معتبرٌ شرعًا، لأن حفظ ذلك كله مطلوبٌ شرعًا، فإذا غلب على ظن الطبيب أن إنكاره بالقول على مريضه اقترافَ منكرٍ ما كوشم أو كشف عورة أو تبرج سيؤدي إلى نفور المريض بحيث لا يستجيب للعلاج فيتضرر في جسده، فإن إنكار هذا المنكر لا يُشرع لما يترتب عليه من ضررٍ أكبر، بل قد يأثم الطبيب من جهة إدخال هذا الضرر على المريض فليتنبه لذلك، وليعلم الطبيب أن إنكار المنكر في هذا المقام يراد منه اغتنام فرصة العلاقة بين الطبيب والمريض، ولا يراد منه أن تتحول العيادات والمشافي إلى مراكز للحسبة والوعظ فلذلك مجالٌ آخر، وإنما هو العدل والتوسط لا سيما مع ضيق الوقت مع المريض فلا بد من تحقيق مصلحة المريض المتعينة في مجال التطبيب، وهي الاستشفاء بما شرعه الله تعالى من أسباب، فإن تيسر مع ذلك الاحتساب بإنكار ما يجوز أو يجب إنكاره بالقول واللسان فبها ونعمت وإلا انتقل إلى المرتبة الثالثة اللازمة وهي مرتبة الإنكار القلبي كما هو مقرر عند أهل العلم.
9-الإفساح في أجل المريض: إن عجبي لا ينقضي كلما سمعت من مريض أن طبيبه حدد له أربعة أشهر أو ستة أسابيع أو سنة من الحياة، وإنني لأتساءل عن مغزى ذلك والفائدة منه فلا أجد جوابًا إلا قوله تعالى:"كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى"137، نعم هو تجاوز في الحد من الطبيب الذي خوَّله الله تعالى علمًا يطلب به أسباب شفاء الناس بإذن الله ولا يحدد به آجالهم وأعمارهم، نعم قد ينبه الطبيب مريضه على أن مرضه مُعضل وقد يفضي إلى الموت بأسلوب لطيف، لينبهه على ضرورة اغتنام ما تبقى من عمره في رد المظالم والتوبة من المعاصي والتزود من القربات، لعل ذلك يكون خيرًا يعود به مرضه عليه، ولهذا شاهدٌ في الشرع من حيث جواز تلقين الميت وتذكيره بالآخرة، أما أن نفتئت على الله تعالى وندعي علم الغيب، فلست أدري ما علاقة هذا بالطب والتطبيب، وأي أثرٍ سيء تعود به على مريضك من ذاك، فالله الله أيها الطبيب المسلم أن تتجاوز حدودك وتسيء الأدب مع الله تعالى، ولقد ورد حديث ضعيف في النهي عن ذلك عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا دخلتم على المريض فنفِّسوا له في أجله فإن ذلك لا يرد شيئًا ويطيب نفسه"138، وهذا الحديث مع ضعفه إلا أن معناه صحيح والله أعلم.
10 -المريض غير المسلم: إن مهنة الطبيب حفظ الجسد خدمةً للقلب؛ فما صلاح الجسد إذا فسد قلب المرء، وأي فلاحٍ له في أُخراه إذا ما كان حرصه في دنياه على سلامة اللحم والعظم مع غفلةٍ عما جُعل الجسد وعاءً له؟ ونحن عندما نفرد فقرةً للكلام عن علاقة الطبيب المسلم بالمريض غير المسلم لا نعني بذلك التفريق في المعاملة، بحيث قد يُفهم وجود نوع من المحاباة أو التفرقة في تقديم العلاج ، كلا. وإنما يقصد أن ننبه إلى أن للمريض غير المسلم حاجات روحية تمامًا كما أن للمريض المسلم حاجات روحية يجب الالتفات إليها، وإعطاؤها حقها من التعهد والرعاية، فلا يجوز الغفلة عن حاجات المريض غير المسلم الروحية والنفسية وإن كان هو نفسه غافلًا عنها، ولذا تجد أن فقهاء المسلمين حين يتحدثون عن عيادة المريض غير المسلم يربطون الأمر بالتألُّف والمداراة والتودد المفضي إلى إمكان تبليغ رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى تكون رعاية البدن وسيلة إلى رعاية القلب أو قل إقامة الحجة والإعذار إلى الله تعالى على أقل تقدير. ولقد تقدم معنا حديث أنس وأعيده هنا لمناسبته فعنه رضي الله عنه قال:كان غلامٌ يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:"الحمد لله الذي أنقذه من النار"139، ولقد تكلمنا عن هذا الحديث في معرض الإشارة إلى خُلق النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا نؤكد على إبراز الغاية والمقصد من التعامل مع الكافر ألا وهي مد جسور العلاقة المفضية إلى إمكان تبليغ الدعوة مع القيام بذلك التبليغ فعلًا، وهنا قد يبرز إشكال وهو أن هذا الحديث في عيادة المريض، بينما نحن نتكلم عن ممارسة مهنية قد يصعب تطبيق هذا المعنى في سياقها على الدوام، فكيف يمكن استحضار هذه المقاصد دون إخلال بالواجب المهني ودون أن ينزع بنا إلى نوع تقصير مع المريض غير المسلم نتيجة الانشغال بواجب الدعوة من جهة أو نفرة المرء عن الكافر الذي يصد الدعوة من جهة أخرى؟