فهرس الكتاب
إن قيام الطبيب بواجبه المهني يستلزم أمرين لا ينفك عنهما عمل البتة ألا وهما النية والعمل؛ أما النية فلا بد من أن تتمحض لله تعالى وحده، ومجال ذلك من الشريعة رحب وواسع، فإما أن تنوي في طبابتك للمريض غير المسلم مطلق الإحسان إلى الخلق كما صح بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"في كل كبد رطبة أجر"140، وهذا الحديث ورد في أجر سُقيا البهائم فيدخل فيه الإنسان من باب أولى، ولم يستثن العلماء من عموم هذا الحديث إلا الكافر الحربي الذي يُخشى من ارتفاقه بالطعام والشراب وما في معناهما التقوي على المسلمين وإدخال الضرر عليهم141، وإما أن تنوي مد جسور الدعوة عبر السلوك العملي والتألُّف الحاصل بمجرد الممارسة المهنية المنضبطة بضوابط الإسلام، وإما أن تنوي الوفاء بذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إن كان هذا الكافر ذميًا له عهد الله وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم فتكون طبابة هؤلاء مشروعة لذاتها من جهة كونها حفظ لدمٍ معصومٍ شرعًا142 ، وهكذا فإن الطبيب المسلم لن يعدم له نيةً صالحة في تطبيب غير المسلم، والله تعالى أعلم. هذا من جهة النية وأما من جهة العمل فلا يخرج الطبيب المسلم مع المريض الكافر عن أحد حالين؛ فهو إما متبرع بالعلاج أو أجير عليه؛ فأما إن كان متبرعًا بعلاج الكافر فليس هناك ما يمنعه من إقران العلاج بالدعوة وفق ما يقتضيه الحال ويناسبه، وأما إن كان أجيرًا فهي إجارة مشروعة من جنس المعاملات المباحة بين المسلم والكافر ما لم تؤدي إلى حرام، وقد قال تعالى في محكم تنزيله:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"143، وهنا لا بد من التنبيه على أمر مهم جدًا وهو أن هذه العلاقة بين الطبيب المسلم وغير المسلم الأصل فيها أن تكون في دار الإسلام حيث تكون شوكة الإسلام قوية والدين ظاهر، فيكون رجاء إسلام الكافر قويًا أو يكون دم الذمي معصومًا، أما إذا كان الطبيب المسلم مقيمًا بين ظهراني الكافرين في بلادهم حيث شوكة الإسلام ضعيفة، وأمر الكفر ظاهر وشأن دولة الكفر محاربة الله ورسوله أو الإرصاد لذلك، فلا ريب أن للأمر حينذاك اعتبارات أخرى، إذ أن رجاء إسلام الكافر أقل ومفاسد تطبيبه قد ترجح من جهة تقوية مجتمع الكفر على مجتمع الإسلام، وإن المتأمل اليوم في تدني مستوى الرعاية الصحية في بلاد المسلمين، وافتقار هذه البلاد إلى الموارد البشرية وغير البشرية اللازمة للارتقاء بالرعاية الصحية إلى حد الكفاية ليتفطر قلبه من جراء مشاهدة مئات إن لم يكن ألوف الأطباء المسلمين في شتى الاختصاصات الطبية وأدقها وأكثرها تطورًا ولكن أين؟ في مجتمعٍ كافر يعلن بحرب الله ورسوله، بل وفي مؤسسات حكومية كافرة همها تقويض أمر الإسلام، بل لقد رأيت والتقيت ممن ينتسبون إلى الإسلام من الأطباء والجراحين من يباهون بخدمتهم في جيوش الكفار المحاربين لله ورسوله، بل إن بعضهم يشارك في حروب حقيقية يصرف فيها جهده وكد مبضعه لإسعاف جنود الكفر في حين تثعب جراحات المسلمين دمًا في الجانب الآخر من المعركة، وليس ردء هذه المجتمعات الكافرة في حال السِلم بأقل خطرًا منه في حال الحرب، لأن سلم هذه الدول ما هو إلا ساعات تأهُّب وتربص وإرصاد لحرب الإسلام وأهل الإسلام، وإنه لمن العار على الطبيب المسلم أن يكون سبب ارتفاق للكافر في حين يقضي إخوانه المسلمون من المرض بسبب فقد الطبيب ونقص الدواء، ولسوف نعرج في حلية الجهاد على مفاسد أخرى لهذا البلاء ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
الفصل الرابع: حلية الدعوة
إن الأصل في تقلُّد الطبيب المسلم لهذه الحلية هو قول الحق سبحانه وتعالى:"إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار"144، وقوله تعالى:"والذين إذا ذُكِّروا بآيات ربهم لم يخِرُّوا عليها صمًّا وعميانًا"145، وقوله تعالى:"ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين"146. وبيان ذلك أن الطبيب المسلم يعاين في سياق طلبه للعلم وممارسته للمهنة مشهدًا من أروع مشاهد الخلق في هذا الكون ألا وهو مشهد الخلق الإنساني، حيث قال تعالى:"سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد"،147 فلا يصح ولا يجوز للطبيب المسلم أن يمر على هذا المشهد وعلى هذه الآيات العظام دونما تدبر وتأمل؛ إن الطبيب الذي لا يكون حظه من علم وظائف الأعضاء أو علم الجنين أو علم الكيمياء الحيوية إلا حفظ بعض الأسماء وإلقاء بعض المحاضرات ووصف بعض الدواء طبيبٌ يداوي الناس وهو عليل، يداوي أمراض الأبدان ويغفل عن مرض قلبه، يغذي غرسة الجسد ويغفل عن غرسة الإيمان، إنه طبيب يمر على مشاهد العلم الإلهي في اليوم مائة مرة، ولا يذكر الله في اليوم مرة،ولست أعني بالذكر مجرد إمرار لفظ الجلالة على اللسان بطبيعة الحال.
وبتعبير آخر أقول: مسكينٌ ذلك الطبيب الذي لا يجد أثر تفكره في مشهد الخلق الإنساني زيادةً في إيمانه، وطمأنينةً في قلبه، وإزعاجًا لجوارحه، مسكينٌ من عاين مشهد الخلق الإنساني ثم لم يعاين المشهد الإيماني المتمثل في قوله تعالى:"تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون"148. نعم، مساكين هم جمهرة الأطباء الذين يمرون على آيات الله عز وجل في كل لحظة من لحظات دراستهم وعملهم وهم في مرورهم هذا غافلون، وبمادية الطب وتجردهم لدنياه غارقون، وتأمل إن شئت واحدًا من هؤلاء ثم اسأل: كيف لطبيبٍ كهذا أن يصبح طبيبًا داعية؟
إن حلية الدعوة لا يمكن أن تستقر على جيد الطبيب الذي لا يتعهد قلبه وإيمانه بما أطلعه الله تعالى عليه من بديع خلقه وصنعته، والعكس صحيح، فإن الطبيب الذي تستوقفه مشاهد الخلق الإلهي في هذا الجسد الذي يعالجه ويطببه لا بد من أن يثمر ذلك في قلبه رغبةً ودافعًا قويًا ليدعو الناس كل الناس إلى تأمل هذه المشاهد والاقتراب من الله عز وجل، إن حال هذا لا يختلف عن حال العالِم الذي فقِه مسألةً في دين الله، فأراد أن يبلغها للناس حبًا في نشر الخير والتزامًا بواجب البلاغ والدعوة إلى الله، وهنا أود أن أشير في نقاط محددة إلى مجالات الدعوة التي يجب أن ينخرط فيها الطبيب المسلم، ليكون من أولئك الربانيين الذين قال الله تعالى فيهم:"ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين"149، وفيما يلي بيان ذلك:
أولًا: أسلمة العلوم الطبية: