فهرس الكتاب

الصفحة 864 من 2255

إن من معالم هذه الحلية ودررها الثمينة مراعاة أن تطبيب الأبدان إنما شُرع حفاظًا على الأهم الذي تحويه هذه الأبدان أعني القلوب؛ فإنما أذنت الشريعة بمداواة البدن لا انشغالًا بالمادة عن الروح، ولا التهاءً بالدنيا عن الآخرة، وإنما تقويًا على رياضة القلب وتعهده بما يدفع الأمراض عنه، أعني أمراض العقيدة التي تفتك بالقلوب فتدعها صرعى ما بين مشهد نفاق أو شرك أو كفر بواح، ولكن تجد مع الأسف أنه كثيرًا ما ينهمك الطبيب والمريض في معالجة أسباب المرض البدني وآثاره الظاهرة، ويغفل أحدهما أو كلاهما عن تأمل مشهد الابتلاء في هذا المرض وعن ملاحظة جوانب الخير فيه، وإن من له أدنى إلمام بمهنة الطب يدرك أن هناك طائفةً من الأمراض التي لم نقف لها على علاج سببي بعد، مما يفضي بالبعض إلى توهم أن مشهد هذا المرض مشهد شرٍ محض لا خير فيه البتة، وهنا يكون دور الطبيب أساسيًا في تنبيه المريض إلى مظاهر ومعالم الخير في هذا الابتلاء، وأقول إن الطبيب الذي يقتصر في العلاج على تناول الأسباب المادية طبيبٌ مقصر مع مريضه مهما أتقن صنعته، ومهما تفانى في خدمة مريضه من جهة الأسباب، وأقول إن من واجب الطبيب الذي يشخص المرض ويصف الدواء ويوجه المريض إلى أسباب الاستشفاء أن ينبه المريض إلى مثل قوله تعالى:"ونبلوكم بالشر والخير فتنة"158، وإلى قوله صلى الله عليه وسلم:"ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة"159وقوله صلى الله عليه وسلم:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"160، وعلى الطبيب المسلم أن يلاحظ أن جانب التعهد الروحي للمريض مطلوب في كل من الحالات التي يكتب الله تعالى لها البرء والشفاء، وتلك التي لا يكتب لها سبحانه وتعالى ذلك؛ فأما في حالات البرء والشفاء فيكون بالتذكير بأن هذا الشفاء نعمة ومنحة من الله سبحانه وتعالى، وأنه تعالى يستحق الشكر على هذه النعمة، كما أنه كان يستحق الحمد حين الابتلاء بالمرض الذي برئ منه، لا أن ينسب الطبيب البرء لنفسه، فتلك والله غاية الحماقة وعين السفه وحقيقة نكران الجميل الذي تفضل الله تعالى به على هذا الطبيب حين أجرى الشفاء على يده وجعله سببًا من أسبابه، فعليك أيها الطبيب حين تعاين برء المريض أن تشكر الله أولًا، ثم تذكِّر المريض بشكر الله ثانيًا، وأن تنتبه وتُنبه إلى دوام الالتجاء إلى الله في حفظ نعمة الصحة التي عادت بفضله وكرمه سبحانه، بعد أن عاين المريض منها اختلالًا ونقصًا وهذا هو مقام:"وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد"161، وأما حالات استعصاء الداء على الدواء فهي مقام التفكر والتدبر والتصبر والاحتساب، وهي مقام تحقيق التجرد التام من الأسباب والتبرؤ التام من الحول والقوة، فأما الهالكون فيتيهون في مهالك التبرم والتذمر والتسخط، وأما الناجون بإذن الله فيوفقهم الله تعالى إلى مشاهد العبودية الحقيقية والصحيحة، فيهلك الجسد بالمرض وتنعم الروح بالصحة والعافية الإيمانية، وإن دورك أيها الطبيب المسلم أن تنبه وتعين مريضك على الوصول إلى شاطئ النجاة، لتكون سببًا من أسباب نجاته الروحية كما كنت - بفضل الله - سببًا من أسباب النجاة الجسدية لغيره من المرضى، وهنا لا مفر للطبيب المسلم من التسلح برصيدٍ كاف من النصوص والثوابت الشرعية التي تعينه على توجيه مريضه التوجيه المناسب في الوقت المناسب، وليست هذه الحلية المختصرة محلًا لسرد هذه النصوص، وإنما يرجع إليها في مظانها من آيات القرآن الكريم وكتب السنة الصحيحة.

وأنبه هاهنا إلى الخلل العميق الواقع في مجتمعاتنا في هذه المسألة، وصورة الخلل تتمثل في الافتراق الذي نشاهده بين الطبين؛ طب الأبدان وطب القلوب، بحيث تجد أن الطبيب لا يمارس طب القلوب، ولا يدمجه في سياق التعامل مع المريض، في حين أن العامة يلتجئون إلى بعض أصحاب الخبرة وأهل العلم الشرعي - وأحيانًا كثيرة للأسف إلى بعض المشعوذين والسحرة - لتلبية حاجاتهم القلبية والروحية، أو حتى بحثًا عن سبل بديلة للعلاج، وما نريده من الطبيب المسلم وما يحتمه واقع التوافق المادي الروحي في الإسلام أن يكون الطبيب الذي يضع جهاز التنفس ويعطي المضاد الحيوي والأكسجين ويصف الدواء، هو نفسه الطبيب الذي يرقي مريضه بالرقى الشرعية ويطمعه في رحمة الله ويثيبه إلى رشده في التعامل مع هذا الابتلاء ونحوه. أما افتراق العلاج المادي عن الروحي فليس إلا شكلًا من أشكال ترسيخ العلمانية النكدة في حياتنا نسأل الله تعالى السلامة والعافية من ذلك إنه حسبنا ونعم الوكيل.

ثم إن من المسائل المتعلقة بالدعوة في مجال تطبيب المرضى تنبيههم على ما يقعون فيه من منكر، ولقد تعرضنا لهذه المسألة في فقرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الكلام على أخلاق الطبيب مع مريضه المسلم، وهنا أود التأكيد على المسألة من جهة المسؤولية الشرعية، فأهل الخبرة والعلم بفن الطب يُجمعون على أن الطبيب مؤاخذٌ من جهة المهنة إذا ما اطلع على عَرَضٍ أو مرض عند مريضه غير ذلك المرض الذي جاء يستشفي منه ثم لم يخبره الطبيب بذلك، فلو جاء مريضٌ يشتكي من ذات الرئة، وأثناء فحص المريض اكتشف الطبيب بقعة جلدية يحتمل أنها آفة سرطانية يفضي إهمالها إلى هلاك المريض، فإن الطبيب مقصر في عدم إخبار مريضه بذلك قولًا واحدًا عند أهل الفن، رغم أن المريض لم يراجع الطبيب لهذه الشكاية، وأقول إنه من باب أولى أن يكون الطبيب مسؤولًا عندما يفحص مريضه الذي يشتكي من ذات الرئة ويجد تميمة شركية أو خيطًا معلقًا في عنقه ولا ينبه مريضه على هذه الآفة المهلكة، ولا يكفي في هذا المقام ما يقوم به البعض من قطع أو إزالة الخيط أو التميمة دون تنبيه المريض إلى خطرها، لأن هذا سيعود إلى تعليق غيرها بمجرد مغاردة الطبيب، إذ ربما توهم أن الطبيب أزالها لغرض الفحص الطبي ولا يستشعر الإنكار الشرعي على هذا الفعل الشركي، بل على الطبيب أن ينبه إلى حرمة هذا الفعل وإفضائه إلى الشرك أو البدعة كلٌ بحسبه.

وهكذا عندما يقوم الطبيب بالاستفسار عن جملة من المشعرات الصحية فيما يعرف بالطب الوقائي لا سيما عند الأطفال، حيث ينهمك الطبيب في السؤال عن المعالم التطورية للطفل وهذا جيد، ولكن يجب أن يندرج في منظومة الرعاية الصحية الأولية هذه السؤال عن المعالم التطورية الشرعية، فيُسأل عن الأمر بالصلاة في السابعة، ويُسأل عن الصلاة في العاشرة، وينبه على التفريق في المضاجع وغيره كل بحسب سنه، علينا أن نستشعر جميعًا أننا اليوم في خضم معركة عقدية خطيرة تستلزم منا إعداد جندها ورجالها، علينا أن نطرح جانبًا شعار"العقل السليم في الجسم السليم"ونعلن مكانه"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، حتى تتضح هوية المعركة ويستشعر الفرد أنه جندي من جنودها، وأن كل حجرٍ في سد الإسلام المنيع له دوره مهما صغر حجمه وأينما كان موضعه، وعليه فلا بد من اغتنام كل فرصة للتذكير والتنبيه على ذلك.

ثالثًا: الاعتدال والتوسط في مسائل الإعجاز العلمي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت