فهرس الكتاب

الصفحة 865 من 2255

لقد جاء القرآن الكريم معجزًا، وتحدى الله تعالى به العرب والعجم، بل تحدى به الإنس والجن، ومع اتفاق أهل القبلة على إعجاز القرآن الكريم تنوعت مشاربهم في أوجه هذا الإعجاز، وليس هذا مجال البحث في ذلك، ولكن لما كان مجال العلم ولا سيما علوم الطب أحد أوجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، كان حريًا بالطبيب المسلم أن يتعرف على جملةٍ صالحةٍ من القطعيات العلمية التي كشفها الطب الحديث ووجه موافقتها للثابت في القرآن الكريم دون تكلف ولا تشدُّق، لتكون له زادًا في طريق الدعوة إلى الله، وكان حريًا به أيضًا أن ينأى عن الإفراط في حمل آيات القرآن الكريم على كل ما يرد في الطب من علوم قد تكون ظنية أو نظرية فيختلج عليه الأمر حين يظهر زيفها وبطلانها، فعلى الطبيب المسلم أن يعرف طريق الحق ومنهج التوسط والاعتدال في مسائل الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في باب الطب، ولقد قرأت وسمعت من الشطحات والمبالغات ما لا يليق نسبته إلى القرآن الكريم بحجة التودد إلى أمة الدعوة162 بلغة العصر ، وعند النظر في هذه المبالغات تجد فيها من التكلف والتقعر ما قد يأتي بنقيض المقصود، وعادة ما تكون هذه الشطحات ممن يجتزئون بعض المعلومات في فن من الفنون، ولا يكون هو من أهل هذا الفن ثم يهرع إلى إنشاء علاقة موهومة مع نص من نصوص القرآن، ولست أطعن معاذ الله في هؤلاء ولا في نواياهم، بل هو الدوران مع الحق، فالزم أيها الطبيب المسلم منهج الاعتدال وحذار من الإفراط أو التفريط في هذا الباب، واعلم أن قليلًا من الموافقات القطعية بين علم الطب الكوني ونصوص القرآن الكريم كفيل ببيان وجه الإعجاز، ولا حاجة لتكلف كثيرٍ من الأمثلة لأن من يذعن للحجة الواحدة لا يعوزه غيرها، ومن لا يذعن لحجة بينة قطعية لن يذعن لعشرات الحجج والبراهين،كما قال الله تعالى:"وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون"163، فالذي يكذب بمعجزة يكذب بالمعجزات كلها مهما حشدت له منها، ومن أراد وجه الحق كفته الآية والمعجزة، إذ أن المسألة ليست مسألة كمية يفضي تراكم آحادها إلى تحقيق الغاية منها، وحذار أيها الطبيب المسلم أن يدفع بك واقع الهزيمة النفسية إلى التزلف بليِّ آيات القرآن الكريم لموافقة كل شاردة وواردة، فقرآن ربنا أسمى من أن يعوزه ذلك، وإن كنا مهزومين في حقيقة الأمر فعلاج ذلك العودة إلى القرآن لا تطويع القرآن لموافقة واقعنا المريض.

ومن المهم التنبيه على أننا في سياق الإغراق المادي الذي نعيشه اليوم أحوج ما نكون إلى إبراز النواحي الروحية للقرآن الكريم في عالم يكاد يفتقر إلى أدنى مراتب ذاك، لقد شبعت أجسادنا وأتخمت من السرف المادي، وبات الجسد المتخم عبئًا على الروح بعد أن كان حصنًا ومأوى لها، وآن الأوان لأن نعرض للعالم بضاعتنا، ونبرز للعالم منهجنا المتزن الذي يعطي كل ذي حق حقه، ولن يكون ذلك طالما أن حظنا من الإعجاز العلمي للقرآن يقتصر على ربط مراحل تطور الجنين بالآية والآيتين، ولست أثرب على من سلك هذا المسلك ما دام معتدلًا، ولكني أقول إن الحاجة اليوم أشد لعرض شمولي لمنهج الإسلام ولمعجزة القرآن، بل إن حقيقة الإعجاز القرآني تتمثل في شموليته وهذا ما نحتاج اليوم أن نبرزه واقعًا عمليًا يمتد أثره إلى الحياة كل الحياة.

رابعًا: العمل الطبي الخيري والإغاثي:

إن شمولية الإسلام العظيمة والتوازن الدقيق بين تعبيد الناس لله تعالى قَدَرًَا ودعوتهم لعبادته شرعًا، تفرض على المسلم مراعاة حدٍ أدنى من الحقوق الإنسانية المشتركة التي تكفل الله تعالى بها قدرًا وأذن بها شرعًا بحكم ربوبيته سبحانه وتعالى للخلق أجمعين، بحيث لا تجد في منهج الدعوة إلى عبادة الله تعالى إجحافًا بتلك الحقوق الإنسانية البتة، ولعل من أجمع النصوص في ذلك قوله تعالى:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"164 وليس هذا الإكراه المذموم محصورًا في تسليط السيف على رقبة الكافر ليُسلم، بل إن معناه يتعدى إلى كل وسيلة إكراه يُفهم منها أن الكافر ما كان ليختار الإسلام لولا تَسلُّط هذه الوسيلة عليه، ثم إنه لا فرق بين كون هذه الوسيلة حرمان طعام أو شراب أو دواء أو مأوى أو غير ذلك من المشتركات الإنسانية التي تكفل الله تعالى بها لمخلوقاته بحكم ربوبيته سبحانه وتعالى لهم، فلقد قال تعالى:"وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها"165، بل إن الله تعالى قد يستجيب لدعاء الكافر بحكم ربوبيته سبحانه وتعالى:"وإذا مسَّكم الضُر في البحر ضلَّ من تدعون إلا إياه فلما نجَّاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورًا"166، فدعاء غير الله شرك وكفر، ومع ذلك فإن الله تعالى قد يستجيب لهؤلاء في وقت الضراعة والمحنة إذا ما دعوه سبحانه وتعالى وهي استجابة ربوبية لا استجابة ألوهية، فإن الله تعالى خلق خلقه وهو سبحانه لا يدع خلقه لغيره بدون تدبير وكفالة بل هو الحي القيوم الرزاق، وها نحن نرى الكفار بل المحاربين لله تعالى، والله تعالى يطعمهم ويسقيهم ويمتعهم بعافية الأبدان كل يوم، وليس ذلك لرضاه عنهم شرعًا، وإنما لكمال ربوبيته عز وجل في علاه. والشاهد من هذا كله أن الإسلام لم يشرع لنا التضييق على الناس في معايشهم - التي هي مقتضى ربوبية الله عز وجل لهم- كوسيلة للدعوة إلى الله، وإن كان ذلك مسلك أهل الكفر والضلالة ودأبهم على الدوام، وهو التضييق على أهل التوحيد والإيمان لصرفهم عن عبادة الله ، ولكن الله لم يرضَ لعباده الموحدين ودعاته الهداة المهتدين بإذنه أن يسلكوا مثل هذا المسلك المنحرف البتة، وليس سلوك الكفار ودعاة التنصير لهذا المسلك المنحرف مسوغًا ولا مبررًا لسلوكنا له. ولئن كان سلوك هؤلاء واتخاذهم العلاج الطبي - وهو ضرورة وحاجة معاشية بلا ريب - مطيةً لتمرير باطلهم وتسويق إفكهم بل لفرضه على عقول البسطاء والمعدومين، فإن هذا الواقع يفرض علينا مسؤوليات محددة لمواجهة هذا التيار التنصيري المنحرف والشاذ، ولكن وفق منهج أهل الحق لا وفق الإكراه والتغرير ومساومة البدن بالروح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت