فهرس الكتاب
ولئن سألت أيها الطبيب المسلم الغيور عن طريق مجابهة ما تقدم مما تقوم به المؤسسات التنصيرية في أرجاء العالم الإسلامي من حملات التنصير تحت ستار الطب ولبوس الخدمات الإغاثية الطبية، فلتعلم أنه يتمثل في سد الثغرات التي يستغلها هؤلاء للوصول إلى الاحتكاك والتواصل مع الفئة المستهدفة بسهام تنصيرهم المسمومة، ونحن نتكلم في مجال الطب عن واحدة من أهم هذه الثغرات، إذ لا يخفى على المتأمل مدى ما تعيشه شعوب المسلمين من فاقة وعوز في أبسط الحاجات الطبية، والتي تعمل هذه الهيئات العالمية ذات الامتداد الأخطبوطي والتمويل المهول على استغلالها من أجل تغليف إنجيلهم المحرف بضمادات الجراحة، وستر سمومهم العقدية بأنواع الأدوية والعلاجات، وإخفاء خبثهم وحقدهم وسوء نيتهم تجاه المسلمين وراء جدران مشفى خيري أو مركز رعاية صحية ، ولست هنا بصدد توثيق هذه الحقائق فإنها بارزة مكشوفة لمن فتح عينيه وسأل عن حال إخوانه المستضعفين، ولقد شاهد كاتب هذه السطر نماذج من ذلك بأم عينيه، ولكني بصدد التنبيه على عظم مسؤولية الأطباء الذين يغفلون عن سد حاجات إخوانهم الطبية، فيما هم ساهون لاهثون وراء مقامات علمية وشهادات وأبحاث هي بالنسبة لواقع حال أمتنا أقرب إلى الترف العلمي منها إلى الحاجة الطبية. نعم إن سد حاجات إخواننا هؤلاء أقرب إلى فروض الكفايات منه إلى فروض الأعيان ،ولكن علينا ألا ننسى أن الفرض الكفائي متعين على كل مستطيع حتى تنسد الحاجة، وأقولها مهما كانت الحقيقة مؤلمة إننا معاشر الأطباء المسلمين مسؤولون عن كل طفل وضع أبواه الصليب في عنقه في مقابل تحصيل دوائه، وعن كل نسخةٍ من الإنجيل المحرف اضطر مسلم لأخذها في مقابل جرعة دواء أو جراحة أو علاج، وعن كل ساقٍ بُترت نكايةً في مسلم لم يجد من يناصحه الرأي في علاج أذيتها فاضطر للأخذ برأي صليبي حاقد، وعن كل ثغرة في حاجات الأمة الصحية لم نسدها ولم نرابط عليها فإذا بها مدخلًا من مداخل أتباع إبليس للنفوذ إلى عقيدة المسلمين منها...
إن من المهم أن نعلم أننا لا نتكلم في هذا المجال عن بضع مئات من المسلمين ولا عن بضعة آلاف منهم، بل إننا نتكلم عن ملايين المسلمين في أرجاء المعمورة ممن هذا حالهم، وليس العدد للمبالغة البتة، نعم إن هذا العدد فوق طاقة الأفراد ولكن يجب ألا يكون دون اهتماماتهم؛ إن الاهتمام بهذه الشريحة من المرضى المستضعفين المتربص بدينهم ليس إلا فرعًا من فروع الإيمان ولازمًا من لوزامه، كما قال المعصوم صلى الله عليه وسلم:"مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد إذا اشتكى له عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"167، ولعل من النكت اللطيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار حالة المرض لتشبيه حال الأمة الإسلامية مع بعضها البعض، فكان لزامًا أن يكون التكافل في مجال المرض من أولى هذه المناسبات إعمالًا لواجب الاهتمام بشؤون بعضنا البعض والتكافل والتراحم والتواد والتعاطف، فتأمل. ثم إن أحدًا منا معاشر الأطباء لا يعدم فيما حوله من مجتمعات إسلامية قد استبيحت بيضتها اليوم فئاتٍ من المسلمين تتربص بهم أذرع المد التنصيري فرصة الاختراق والنفوذ ما لم يقم طبيب مسلم أو ثلة من الأطباء المسلمين بسد هذا الثغر وإراحة الأمة الإسلامية من خطره. إن ما نريده من الطبيب المسلم في هذا السياق يتناول حدًا أدنى هو الاهتمام الحقيقي بهذا الأمر، بحيث تظهر آثار هذا الاهتمام على قلبه ولسانه وجوارحه، والارتباط بجنس العمل الذي يحقق انتماء الطبيب المسلم إلى جملة المرابطين على هذا الثغر؛ وقد يكون هذا العمل ميدانيًا وقد يكون منهجيًا تنظيريًا وقد يكون تعليميًا تدريبيًا، والمجالات في هذا الباب كُثُر. وفي مقابل ما تقدم ننبه مرةً أخرى على أن الطبيب المسلم حين يضطلع بجنس العمل الطبي الخيري أو الإغاثي من هذا المنطلق ابتداءً فإنه لا يقدِّم خدمته الطبية على أساس التمييز بين البشر في دياناتهم كلا، فلقد قال الله تعالى:"أفنجعل المسلمين كالمجرمين. ما لكم كيف تحكمون"168، فهيهات أن يكون سلوك المسلم مع الخلق كسلوك المجرمين ممن يجعلون جرعة الدواء ثمنًا لترويج المعتقد وإن كان حقًا، فما بالك بمعتقدات القوم الباطلة، بل إن مسلك الطبيب المسلم في هذا الباب هو قوله صلى الله عليه وسلم:"في كل كبدٍ رطبةٍ أجر"169 وليس لهذا النص سوى استثناءات قليلة ذكرها العلماء170، ولكن أنبه في هذا السياق على أن عدم استثناء الكافر من العمل الطبي الخيري أو الإغاثي يجب ألا يكون على حساب أولويات حقوق المسلمين، بمعنى ألا ينصرف جهد المسلمين وطاقاتهم المحدودة في طلب أجر سقيا البهائم أو الكفار في حين جراحات المسلمين وآلامهم تستغيث - بعد الله تعالى - بإخوانهم في الدين، فتنبه لهذا لا سيما في يومنا هذا الذي أصبح التزلف لملل الكفر ديدن بعض مرضى القلوب، ودأب بعض المسارعين في استرضاء أهل الكفر ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم إن الطبيب المسلم في سياق كل ما تقدم ملتزمٌ بسمته الإسلامي يشع نور عقيدة التوحيد من ثغره ووجهه وجوارحه، يداوي الناس بالبسمة الحانية والنظرة الشفوق قبل الدواء والمبضع والترياق، وهو لا يعدم في كل ما تقدم مناسبةً يقول فيها للخلق دون إكراه ولا ابتزاز ولا ضغط ولا إلجاء:"إني تركت ملة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون. واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون"171
الفصل الخامس: حلية الجهاد