فهرس الكتاب

الصفحة 870 من 2255

إن نظرةً واحدةً إلى سراية الأمراض والمضاعفات المترتبة على استشراء هذه السموم في مجتمعاتنا اليوم كفيلة بأن يتفرغ بعض أطبائنا- بكل ما تعنيه كلمة التفرغ من معنى - إلى العمل على مكافحة هذه الخبائث، بدءًا بتقييم حجم الضرر الواقع في مجتمعاتنا، وانتقالًا إلى التوعية حول هذه الأضرار والأخطار الفردية والجماعية، ومرورًا بالمناصحة والتواصل مع المسؤولين من أجل تجفيف منابع التدمير العقلي هذه، ومن ثم إيجاد صيغ عملية تطبيقية لاجتثاث هذه الاثام والخبائث من مجتمعاتنا، أما مجتمعات الكفر فلتهنأ بكأس الخمر الذي تتجرعه كل يوم للوقاية من أمراض الشرايين القلبية، ولتهنأ بما تتفتق به الدوريات الطبية من أمثال هذه الترهات، إذ أن أيًا من هذه الدوريات لم ولن يتنبه يومًا إلى أثر طينة الخبال التي توعد وتعهد الله تعالى شاربَ خمر الدنيا بسقياها يوم القيامة، فذرهم في سكرتهم سادرون، وذرهم في طغيانهم يعمهون، أمَّا أن نسير وراءهم متخبطين ثمالى فتلك والله الطامة الكبرى.

رابعًا: المرابطة على ثغر العرض والنسل:

إن الباحثين في مقاصد الشريعة الإسلامية يقرنون مصلحة العرض والنسل عادةً بسبب التلازم الحاصل بينهما، ولئن كان هذا التلازم يكاد لا ينفك في القديم، فإن الأمر اليوم قد لا يكون كذلك في بعض الحالات، نتيجة ما تفتقت عنه آلة العلم من تقنيات تسمح باستكثار النسل بمعزلٍ عن المعاشرة المباشرة التي قد تتهدد العرض، ففي القديم كان الزنا هو المتصور حين الكلام عن تهديد مصلحة العرض والنسل، حيث تُنتهك الأعراض المحرمة وتضيع الأنساب، أما اليوم فلقد أصبح تضييع الأنساب متصورًا بدون التلازم مع انتهاك العرض مباشرةً بالزنا، وهنا تبرز أهمية وعي الطبيب المسلم تجاه اعتبار مصلحة النسل والنسب في شريعتنا الغراء ولو لم تُنتهك الأعراض مباشرةً بالزنا، وبالمثال يتضح المقال؛ حيث إن التقنة العلمية الحديثة التي سمحت بطلب النسل عن طريق ما يسمى أطفال الأنابيب قد قدمت لنا قالبًا واقعيًا يُتصور من خلاله تضييع الأنساب دونما انتهاك العرض بالزنا، وذلك نتيجة الخطأ المخبري غير المقصود الناتج عن تداول ماء الرجل وبويضات المرأة، أو الخلط المتعمد في بعض المختبرات والمراكز التي قد تستعمل ماء رجل خصب أو بويضات امرأة خصبة من زبائنها لتحسين نتائج الإخصاب عند زبائن آخرين، وهذا كله مما لا يشك عاقل في إمكانية حدوثه بل ومما تدلل الوقائع والمشاهدات على حدوثه فعلًا، ولئن كانت بعض الفتاوى المعاصرة التي ترى جواز بعض صور أطفال الأنابيب (كالتي تكون من ماء الزوج والزوجة وفي رحم نفس الزوجة حصرًا) تُغفل واقع الاسترسال في التطبيق والممارسة والتهاون في الشروط والقيود التي تضعها الفتيا للقول بالجواز، وإذا أخذنا بعين الاعتبار تعدد المحاذير الشرعية المتعلقة بطلب النسل عن طريق أطفال الأنابيب190 مع التنبه إلى أن مثل هذه التقنيات تعتبر مظنة تضييع الأنساب ولو عن طريق الخطأ، لتبيَّن لك أن القول بالمنع هو الأحظ بأصول الشرع والأقرب إلى روح الشريعة، وعسى الله أن ييسر إخراج ذلك في رسالة مستقلة، فإذا انتقلت من هذه التقنة إلى مسائل استئجار الأرحام وتجميد البويضات والتبرع بماء الرجل وماء الأنثى لعلمت أن في حشايا التقدم التقني العلمي غير المنضبط من المهالك ما هو كفيلٌ بتدمير المجتمع بأسره، ولا يخفى أن الطبيب المسلم الخبير بهذه التقنيات وبكل مراحل التطور العلمي المتعلقة بها هو الأجدر والأليق بحمل درع الوقاية لهذه الأمة من تضييع أنسابها وذراريها، وهو الأقدر بإذن الله على حسن تصوير النوازل لفقهاء وعلماء الشريعة حتى تكون اجتهاداتهم موفقةً بإذن الله، وأريد أن أنبه إلى أن النظر والاجتهاد في هذه النوازل الطبية يجب أن يكون ضمن إطارٍ من الوعي العام تجاه المكائد التي تُحاك للأمة، تأمل كيف انطلت تلك الخدعة اللفظية المسماة (تنظيم الأسرة) حيث تسربت إلى بيوتنا وحرماتنا بل إلى فتاوانا فتجد من التناقض بين من يفتي بحرمة منع النسل ثم يفتي بجواز تنظيم النسل ما يُشعرك بالغفلة التامة عما يُحاك لهذه الأمة بِلَيل191، فلا غنى للطبيب المسلم والأمر كذلك عن التسلح بثوابت الشريعة وفهم روحها ومقاصدها وتأطير كل النوازل في إطار هذا الفهم والوعي حتى لا تؤتى الأمة من قِبَلنا.

ولئن كان الافتراق في جهة العرض والنسل متمثلًا في بعض الوسائل المعاصرة لطلب النسل فإن الأمر لا يقل خطورة فيما يتعلق بانتهاك العرض، ولست أعني الزنا بطبيعة الحال، وإنما أعني انتهاك العورات بدون مبرر طبي شرعي معتبر، ولقد نبهنا على ذلك فيما تقدم من هذه الرسالة، كما أن انتهاك مصلحة حفظ الأعراض يتناول أيضًا تمييع مفاهيم الفاحشة والرذيلة ووضعها في أُطر من النظريات النفسية السلوكية المنحرفة، بحيث تُعرض هذه الفواحش وتُصوَّر على أنها سلوكيات إنسانية طبيعية192 فأصبحت اللوطية أمرًا طبيعيًا، والسحاقية أمرًا طبيعيًا، وتغيير الجنس أمرًا طبيعيًا يُفرض قبوله على الناس، بل ربما يحميه القانون الوضعي وحُكم مَن تبوأ منصب القضاء بهذه الأنظمة الطاغوتية نسأل الله السلامة والعافية، والشاهد هنا أن على الطبيب المسلم أن يكون حارسًا أمينًا على عورات المسلمين وأعراضهم وذراريهم وأنسابهم، وعلى الطبيب المسلم أن يدرك أنه سيُمتَحن في سبيل هذه الحراسة وسيلاقي شدةً وعناءً فليوطِّن نفسه على الصبر والاحتساب، وليكن ثمن هذه الحراسة والذب عن العورات ما يكون فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ومن قُتِل دون أهله فهو شهيد"193، فإياك والتقاعس فالمهمة خطيرة ولقد بدأت غراس الكائدين تؤتي أكلها في بلادنا مع الأسف، فليتنبه.

خامسًا: المرابطة على ثغر المال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت