فهرس الكتاب

الصفحة 871 من 2255

لا يخفى مقدار ما تتكبده مجتمعاتنا من مصاريف وتكاليف مادية للقيام بعبء الرعاية الصحية، وقبل أن يبادر أحدنا إلى انتقاد شح هذه الموارد أو التقصير في جوانب الرعاية الصحية في معظم مجتمعاتنا، فليلتفت أحدنا إلى نفسه وليتساءل عن مدى الجهد والحرص الذي يبذله هو في سبيل حفظ مال المسلمين في سياق ممارسته اليومية، لا سيما الطبيب العامل في المؤسسات الصحية العامة الذي قد يسترسل في طلب ما لا يُحتاج إليه من اختبارات وعلاجات بدعوى أنها لا تكلف المريض شيئًا، في حين أن هذه التكلفة تكون على حساب أموال المسلمين، وحسب هذا الطبيب أن ينتبه إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"194، ولا يقتصر هذا على الممارسة اليومية مع آحاد المرضى بل ينصرف أيضًا إلى رسم السياسات الصحية الاجتماعية بما يوافق حاجات المجتمع وأولوياته، فمن العبث والسفه هدر الأموال في بناء مراكز علاج العقم في حين يقضي آلاف أطفال المسلمين الأحياء من الأمراض السارية القابلة للعلاج بأبسط الأدوية والتدابير، كما أنه من العبث هدر الملايين من الأموال في برامج كشف وعلاج مضاعفات تعاطي السموم والخبائث كالتبغ والخمر وسائر النجاسات، في حين إن الوقاية من هذه الخبائث كلها يكون باستئصال مادتها من مجتمعاتنا، وإنه لمن المضحك أن يكون غاية الإنجاز في بعض المجتمعات المسلمة سن قانون لمنع بيع الدخان والسجائر لمن هم دون سن الثامنة عشرة، وكأن الضرار الصحية والنفسية والشرعية للتبغ تقتصر على هذه الفئة، ولكنه التقليد الأعمى وسلوك جحر الضب195 وراء كل ما هو أجنبي مهما كان سفيهًا، نعم لا بد من توعية المجتمعات المسلمة اليوم تجاه هذه المخاطر، ولكن على الطبيب الواعي أن ينصح واضعي السياسة الصحية في مجتمعه تجاه أسس البلاء وجذور المحنة، وقل مثل هذا فيما يتعلق بعلاج الأمراض السارية بطريق الفاحشة والجنس، حيث يقتصر محترفو التقليد الببغائي على إيجاد مراكز للرعاية الجنسية من أجل تشخيص أمراض البدن في حين يُعزف عن أمراض الروح، فإذا بالأمر يقتصر على إعطاء وصفة بنسلين لعلاج الزهري أو الأفرنجي دون النظر إلى مرض الشهوة في قلب من سوَّلت له نفسه الانغماس في مستنقع الفاحشة والرذيلة، ووالله لقد دمعت العين منا لما رأينا أطفال المسلمين يولدون مصابين بالأمراض المنتشرة جنسيًا، ولا ذنب لهم إلا جناية أبٍ زانٍ أو أمٍ مرتادة للفواحش والعياذ بالله، والشاهد أن ما يُصرف من الأموال في ترقيع هذه الظواهر ليس إلا نوعًا من أنواع الهدر ما لم تتمخض سياسة صحية شرعية تنادي بسد ذرائع الفاحشة وبإقامة حدود الله الزاجرة على أهل الزنا والفواحش ومعاقري الخمر والخبائث بنفس الوقت التي تنادي بها بكشف وعلاج آحاد المرضى المصابين بهذه الأمراض.

وخلاصة الأمر أن الهدر المالي في مجال الصحة يكون بإنفاق ما لا يلزم أو بتقديم ما يقبُح تقديمه من المصاريف الصحية على حساب أولويات أشد حاجةً للمجتمع، لا سيما إذا كانت هذه الأولويات أكثر انتشارًا وأعم بلوى من غيرها، فليتأمل الطبيب الحاذق هذا كله، وليعلم أنه مسؤول عما في يده وعهدته، وليس عليه وزر ما يهدره غيره من مال، وليست عليه تبعة سفاهة غيره من المتصرفين بأموال الأمة،وحذار أن يغري بك استهتار الغير كائنًا من كان بحرمات أموال المسلمين مهما كان الزمان ومهما كانت الفتنة، وتأمل معي حديث إمامنا وقدوتنا صلوات الله وسلامه عليه:"إنها ستكون بعدي أَثَرة وأمور تنكرونها"قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال:"تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الذي لكم"196، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم:"فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم"197، والشاهد هنا أن على الفرد أن يؤدي ما عليه وفق ضوابط الشرع مهما فسد الزمان، ومهما قصَّر غيره ومهما تقالَّ أثرَ قيامه بدوره، إذ أن ذمته لا تبرأ إلا بأداء ما عليه، وليس بمؤاخذٍ عن تقصير غيره، فعليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حمِّلتم، ولو أن كل طبيب في المشفى يصرف دواءً لا حاجة لصرفه ولم يبق إلا أنت فلا تكن إمعةً ولا تغتر بكثرتهم، بل اعلم أن عليك أن تتقي الله فلا تصرف هذا الدواء وتهدر هذه الفلوس مهما استحقرتها لأنك مسؤول عنها، ولأنها داخلة ضمن حرمات المسلمين، فتأمل رعاك الله ثم تساءل: كم من أموال المسلمين قد أهدرت إلى اليوم، ثم ليجهش أحدنا بالحسرة والندم وليُصلح حاله في هذه الأمانات، ورضي الله عن الفاروق عمر حين تقلد أمر المؤمنين فقال: وإني جعلت نفسي من أموالكم بمنزلة الوصي من مال اليتيم، آهٍ كم هو البون شاسع بين هذا وذاك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هذه إشارة سريعة وأمثلة موجزة مقتضبة لما قصدنا بيانه من الثغور والمرابط التي يجدر بالطبيب المسلم أن يستشعر مسؤوليته تجاهها في هذا النوع من الجهاد، ولا شك أن التفصيل في هذه الأمور يحتاج إلى إفراده بالتأليف ولكن عسى أن يكون في الإشارة دافع إلى استنهاض الهمم في استدراك ما يعوزنا للاضطلاع بهذه المهام، وإن معركة اليوم لا تحتمل أي هدر للطاقات والمصادر كما أنها لا تحتمل أية غفلة عن ثغرٍ يُغيرُ من خلاله أعداء الدين علينا، ومهما كان الثغر الذي تكفيه أمتك صغيرًا فقد أديت الحق الذي عليك فلا تحقِرنَّ من المعروف شيئًا البتة.

ثانيًا: جهاد الرمح والسنان:

قال الله تعالى:"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون"198، ومعلوم أن صيغة"إنما"من أساليب الحصر، فقد حصرت الآية كمال الإيمان بتحقيق قاعدة عقدية هي الإيمان بالله ورسوله، والتعبير العملي عن صدق تقرر هذه القاعدة في القلب وذلك بالجهاد المالي والبدني في سبيل الله. فهل تساءلت أيها الطبيب المسلم عن موقعك من آيات الصدق هذه وأنت تتوسم منهج النبوة في حمل هذه المهنة الراقية والهوية السامية، أعني الطب والإسلام؟ ولقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من مات ولم يغزُ ولم يحدث به نفسه مات على شعبةٍ من نفاق"199، ولا شك أن عموم قوله"من"يشمل الطبيب المسلم، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم للتخلص من شعبة النفاق هذه وسيلةً من اثنتين؛ إما أن يغزو المرء وإما أن يحدِّث نفسه بالغزو. قلت: وتحديث النفس ليس بالتمني ولا بالتحلي، وإنما رغبة وهمة صادقة يدل عليها جهد ملموس في تحصيل مقدمات هذا المرغوب، فعادت المسألة إلى نفس الغزو، لأن من أراد الغزو وتمناه حقيقةً أخذ بأسبابه ومقدماته، فإما أن يوفق لنفس الفعل، وإما أن تتقاصر به الأسباب وتقصر به مشيئة الله عما أراد، فينطبق عليه وصف من حدَّث نفسه دون وصف من غزا، وتأمل مصداق هذا في قوله تعالى:"ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدةً ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين"200.

إن حاصل ما تقدم إذًا أنه ينبغي على الطبيب المسلم أن يأخذ بمقدمات الجهاد في سبيل الله، ولست أقصد بطبيعة الحال أن يترك الطبيب ثمار كدِّ وتعب سنوات طويلة من التحصيل العلمي والعملي واقتحام صفوف القتال فلذلك أهله201، وإنما أقصد التنبيه على خصوصيات الطبيب المسلم فيما يتعلق بتحقيق عبادة الجهاد المالية والبدنية على النحو التالي:

أولًا: الجهاد المالي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت