روحي على كفّي فداء عقيدة في ظلّها الوافي اتخذت مكاني (25)
الشعر الإسلامي .... وهموم الأرض المحتلة
إن هموم الأرض المحتلة سواء أكانت هذه الأرض فلسطين أو لبنان أو أفغانستان أو غيرها من التراب الإسلامي الممتد شرقا وغربا ... وما تحويه من تشريد وتقتيل وتدمير وجراح وآلام ودماء وجوع وعطش وفقر وحرمان ... لم تهملها القريحة الإسلامية ولم تسقطها من اهتماماتها فقد رسمتها ريشة الألم وصورت عذاب اليتامى ودموع الثكالى وغصص المشردين وشكاوى المظلومين المهجّرين من ديارهم وأوطانهم ?
كل ما أدريه أني ذات ليلة
كان لي طفل صغير ... ذبحوه
كان لي بيت جميل ... دمّروه
وخرجنا ...
وعبرنا النهر في جنح الظلام ...
ونساء الحي تمضي ذاهله ...
تتهاوى كالورود الذابله
ومتاعي ذكريات حائله (26)
كما ترجمت في الوقت نفسه معاناة الأمهات المسلمات في الأرض المغصوبة ? ذلك أن المتمعّن في صفحات الشعر الإسلامي المعاصر يجد لوحات حية تنبض بالصدق والشاعرية في رسمها لخلجات الأمومة المكابدة وتصويرها لكثير من أشكال معاناتها وآلامها ? فكم من أم مؤمنة سهرت على تربية وليدها ومنحته كل عطفها الصادق وحنانها الواعي وأولته رعايتها الحانية من أجل أن يشبّ مؤمنا مسلما ملتزما مجاهدا فتساهم به في تعزيز الصف الإسلامي وتقوية كتائب الإيمان ?
حملته في أحشائها ربّته في أحضانها
ودعت اله الكون أن يرعاه من أعماقها ...
وتفتّحت آفاقه ... وتحققت آمالها (27)
ولكن ما إن تحلو الحياة في عين مثل هذه الأم ? إذ ترى الأمل يزهر وثمرة الرعاية تنضج والرجاء يتحقق ... حتى تمتد يد البغي وقحة لتخطف الأمل الزاهر من أمام العين التي طالما سهرت على رعايته وحمايته لترمي به في زنزانات الظلام ومقابر العذاب ?
... وانقضّ أعوان الطغاة يكبّلون حبيبها
... وطوته جدران السجون لكي يرى أهوالها
كم مزّقته سياطهم وتلقّفته كلابها ... (28)
وفي الزاوية المقابلة ? ارتعاشة الأمومة ولوعة القلب الحاني في الأم الواجمة وهي ترى فلذة كبدها تنهشه الظلمة وتنغرس فيه أظافر البغي والعدوان فماذا يمون جوابها يا ترى ?
صرخت وقالت ? ويحكم
ماذا جنى أطهارها ؟
همّت بلثم جبينه
فيزدّها أشرارها (29)
إنها هموم آلاف الأمهات المسلمات في فلسطين ولبنان وأفغانستان ? ... إنها معاناة الأمومة الصادقة المفجوعة في أكبادها والملوعة في أحبابها تترجمها القوافي الغاضبة والكلمات النابضة بالألم والاحتجاج ... والتحدّي ...
وإذا كانت القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة أو القوى العالمية الأخرى تحت الضغط الصهيوني ومن خلال تأثير الجذور الصهيونية والصليبية الممتدّة في مؤسساتها وهياكلها تصرح - بين الحين والآخر- بحقّ اليهود في فلسطين ... فإن ما يؤمن به المسلمون أنه لا مكان لليهود في أرضهم مهما كانت الدعاوي والشكاوي والأضاليل ... وهذا لا يفصح عنه الخطاب السياسي المعلن في المحافل الدولية ولكن الشاعر الإسلامي الملتزم يترجم بشعره هذا الإيمان ويصدع بهذا اليقين ?
أمّا اليهود فليس في أرضي مكان لليهود
وليعطهم بلفور من إنجلترا بدل الوعود
وبذكر بلفور أقول لكل ذي كرم و جود
أنا ما رأيت كمثل بلفور صفيقا في الوجود
يعطي اللصوص على هواه من الوعود بلا حدود
وبرغم ذلك فما البليّة عند بلفور الحقود
بل عند من يتجاهلون بأنها أرض الجدود ... (30)
وبالمناسبة نقف هنا لنسأل متى استطاع المقص الصهيوني والصليبي أن يقضم أطرافا من الجسد الإسلامي ؟ ... هل عندما"احتمينا بالنصوص جاء اللصوص"كما أكّد على ذلك جهرة على مسامع المسلمين ودون حياء من يسمونه بشاعر الأرض المحتلّة ؟؟ ... أم أن المخلب الصهيوني توغّل في أرضنا الإسلامية عندما تخلّينا عن النصوص ? قرآنا وسنّة وتلبّد فهم الرأي العام لصريح الأمر والنهي فيهما وتهنا بين عقائد الشرق والغرب ؟؟
إن لدى الشاعر الإسلامي الجواب الفصل ?
فلسطين ضاعت يوم ضاعت عقيدة وبات فساد الحال اقبح مقتنى
أيجحد دين العرب سؤددا وينقض ما شاد النبي وما بنى ؟؟
ليرضى علينا الغرب حينا ويحتفي بنا الشرق أحيانا ... ونفقد ذاتنا
و ما زادنا هذا التذبذب عزّة ولكن حصدنا دونه الشوك والعنا .. (31)
بينما- وهذا يشهد به التاريخ - يوم كنا على ميراث الدعوة محتمين بالنصوص ومقتفين آثار الصالحين ومتخذين القرآن دستورا والله غاية ومحمد صلى الله عليه وسلم أسوة وقائدا ... يومها حزنا المجد كله والنصر كله ... ?
حين كنّا ...
نتغذّى من عقول الفضلاء
وتربّينا شريفات النساء
آلت الأرض إلينا ...
والسّماء
اشرق النور فينا ...
وتباهينا ...
بجيل العظماء
وسقطنا ...
إذ رضعنا كلمات الآخرين
وطعمنا من فتات الغالبين
أوهمونا
أننا نطفو
بإغراق السّفين
أننا نحيا
بدفن السّابقين
فتسابقنا
لسبّ العلماء
وتندّرنا بقول الأنبياء... (32)
وبعد ...
هذه إذن بعض الهموم الإسلامية المعاصرة التي شغلت مساحة محترمة من شعر الإسلاميين وأولاها هؤلاء اهتماما خاصا فجاء تصويرها إبداعيا واقعيا شفافا يأخذ القلوب وينم عم صدق الإحساس وعمق الشاعرية.
ثم إن هموم العقيدة والدعوة وهموم الأرض المحتلة ليست هي كل ما تمخّضت عنه معاناة الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر ... بل هناك هموم أخرى لا تقل أهمية قد ترجمها الشاعر المسلم في قوافيه ورسم ظلالها في منظوماته كالهموم الثقافية والهموم السياسية والهموم الاجتماعية ... وهي موجودة في مكانها من الدواوين والمجلات.
وما هذا الذي نقدمه هنا إلا إضاءة على الطريق ... ويوما بعد يوم سنشهد للشعر الإسلامي صولات وجولات ... في ميادين الجهاد ... وكلّما تمرّس في العطاء .. وتقدّمت به الخبرة والمعاناة ... واستكمل أدواته ... انطلق في آفاق أوسع من المعاني والأخيلة وعمق التعبير ... وارتفع إلى مستوى الأحداث بصدق وجدارة.
أسباب السقوط وشروط النهضة في مرآة الشعر الإسلامي المعاصر
لقد كان الشاعر المسلم ولا يزال منذ بواكير الفتح الإسلامي المبارك ملتزما التزاما واعيا وصادقا بقضايا أمته ومسخّرا- في إطار هذا الالتزام وتحقيقا لدوره ورسالته في المجتمع - كل مواهبه وإبداعاته.
ذلك أنه منذ أن رسم شاعر الإسلام الأول حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه مستنيرا ومسترشدا بالتوجيه النبوي الشريف معالم رسالة الشعر الإسلامي ومهمّة الشاعر المؤمن والرسالي في الحياة ودوره في المجتمع ... ظلّ الشعراء المسلمون أوفياء لهذا الدور وملتزمين بهذه الرسالة ? فكانت مشاركتهم في ترشيد المجتمع الإسلامي وتحصين الحياة الإسلامية ... صادقة وواعية وفاعلة.
شعراؤنا المعاصرون ... وواقع العالم الإسلامي
إن المتأمل بعمق في واقع العالم الإسلامي المعاصر- والعالم العربي جزء منه- يحزنه ما يرى من أسباب السقوط ومظاهر التخلف السائد في شتى المجالات الحياتية ? السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية ... ويؤسفه ما يلاحظ من غياب المشاركة الإسلامية في مختلف مناحي الإبداعات الحضارية الحديثة العلمية منها والتقنية والفكرية ...
وتزداد وطأة هذا الإحساس بسوء هذا الحال لدى الشاعر المسلم بحكم وعيه ورقّة شعوره إذ تصطدم بتلك الصورة الرائعة التي يحتفظ بها في أعماق فكره ووجدانه عن الإسلام والمسلمين حتى أن الشاعر محمود مفلح تتملكه الحيرة مما يرى من تناقض بين انتماء هذه الأمة وبين واقعها الحاضر ?
ما هم بأمة أحمد ... لا والذي فطر السماءا
ما هم بأمة خير خلق الله بدعا و انتهاءا