فهرس الكتاب

الصفحة 879 من 2255

ما هم بأمة سيدي ... حاشا.. فليسوا الاكفياءا

ما هم بأمة على الأفلاك قد ركزوا اللواءا

من حطّم الأصنام من أرسى العدالة والاخاءا

من قال أن الله رب ّ الناس خالقهم سواءا

لا فضل إلا للصلاح فلا انتساب و لا ادعاءا (33)

كما يعجّ الأسى بأعماق شاعرنا محمود غنيم ويعصره الأليم كلما جال ببصره في أرجاء العالم الإسلامي ?

ويح العروبة كان الكون مسرحها فأصبحت تتوارى في زواياه

أنّى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصا جناحاه

كم صرّفتنا يد كنّا نصرّفها وبات يحكمنا شعب ملكناه (34)

كما يتساءل الشاعر الملهم محمود صيام بمرارة عن الأسباب التي اختصّت امتنا دون سواها بالمعاناة والسقوط ?

فما لهذا الزمان اختصّ امتنا بالحادثات و غطّتها بلاويه ؟

وما لها ما رأت من قبله زمنا نكراء أيامه سوء لياليه

أمن قليل عتاد أم ترى سبب غير العتاده تعاني من تفشّيه (35)

ويبقى أن نسأل الآن عن موقف الشاعر الإسلامي الملتزم من هذا الواقع ?

* هل كان بكائيا هروبيّا ؟

* أم كان موقفا نقديا بنّاء ؟

في الحقيقة إن موقف الشعر الإسلامي المعاصر من الواقع الإسلامي من خلال استقرائنا لمختلف الدواوين الشعرية لم يكن انهزاميّا بل كان نقديا فاعلا ? فقد سطّر الشاعر المسلم أسباب السقوط وكشف عن علل التخلّف وعرّى عن مكامن الانحطاط كما رسم في نفس الوقت شروط نهضة أمته وانبعاثها . وكان في كلتا الحالتين موضوعيا لم يجنح به خيال الشعراء ولم تبطره مثالية الفلاسفة.

* فماهي أسباب السقوط وشروط الانبعاث ؟

1)أسباب السقوط كما يراها الشاعر ....

إذا كانت أدبيات التغريبيّين في تحليلها لواقع العالم العربي والإسلامي ومعاينتها لأسباب التخلف عوامل الانحطاط تحصر الاتّهام في"الدين والتراث"? إذ ترى في تمسّك الأمة بدينها وحرصها على تحكيمه في شؤون حياتها ضربا من"الرجعية"المعيقة للتقّدم والتجديد كما ترى في حرص المسلمين على الاقتفاء الواعي المبصر لأثر السلف الصالح والاسترشاد بالماضي ... قفزا على الواقع وإلغاء لمفهوم الزمن وإنكارا لعوامل التغيير والتطور في المجتمع الإسلامي وإرادة الوقوف عند نموذج واحد من النماذج التطبيقية للإسلام وهو نموذج مجتمع الصحابة والسلف الصالح ...

وإذا كان الخطاب السياسي للأنظمة الحاكمة يركّز في تحليله لهذه الأسباب على عامل الاستعمار الذي ابتليت به الأمة ردحا من الزمن ...

فإن الشاعر المسلم نجده يتجاوز هذه التفسيرات التبريرية والسطحية ليرسم بكل صدق وموضوعية وشجاعة الأسباب الحقيقية العميقة التي ساهمت ولا تزال تساهم في تعميق التخلف في ربوع العالم الإسلامي ?

فهو لا ينفي دور الغرب المستعمر في دعمه لكل ما يساعد على تخلف المسلمين وسقوطهم سواء عن طريق استعماره المباشر عسكريا وثقافيا أم عن طريق زرع الجرثومة الصهيونية في الجسد الإسلامي ... وقد صدع الشاعر المسلم مبكّرا بهذا محذّرا أولي الأمر وأصحاب القرار ?

يا قادة الشرق المهيض استيقظوا فالغرب أعلن حربه شعواء

حربا تمسّ الدين في تقديسه وتبيد أطفالا لكم و نساء

وتزعّمتها إنجلترا و هي التي عقدت لحرب المسلمين لواء

بالأمس مكّنت اليهود فأنشأوا وسط المهازل دولة عرجاء (36)

... وكان اشد ما حرص عليه الغرب الصليبي في عدوانه على العالم الإسلامي هو نسف الفاعل الديني وتقليص تأثيره في الحياة الإسلامية وذلك ليقينه بأنه يشكّل الروح التي يحيا بها الشرق الإسلامي ومن ثمّ سعى جادا إلى تقويض هذه الروح بأساليب شتّى ?

يا قادة الأمة الغرّاء ... أمتكم إذا رمت بسوى الإسلام لم تصب

لما رأى خصمنا في الدين قوتنا مضى يضللنا بالهدم و الكذب

ويوهم النشء أن الدين ليس سوى رجعيّة تركس الإنسان في النصب (37)

إلا أن شعراءنا لم يحمّلوا الغرب كل الأسباب بقدر ما حمّلوها المسلمين أنفسهم قادة وشعوبا مستأنسين بالتوجيه القرآني ? (( قل هو من عند أنفسكم ) )ذلك أن العوامل المباشرة كانت ذاتية قبل أن تكون موضوعية ( وهذا لا يعني التقليل من قيمة هذه الأخيرة) .

فالشاعر الفيلسوف محمد إقبال رحمه الله نجده في تحليله لواقع المسلمين في الهند يحصر علل التخلّف في أربعة عناصر ذاتية وهي ?

1-فساد العقيدة وتحوّل التوحيد الإسلامي إلى وثنية متسترة ... مع انجذاب للأوهام.

2 -الجهل المطبق بأساليب الحياة الناجحة والعلوم العملية وأساليب المدنية والتنظيم الاجتماعي.

3 -الزهد في الحياة وانتشار الطريقة بانتشار الروح الجبرية والتواكلية.

4 -التهافت لدى الشباب المتوثب على الحضارة الغربية والانبهار بقوتها ومفاتنها.

هذه الأدواء أو الأمراض تشكل في رأي إقبال عوائق نفسية تحول دون الانبعاث والتجديد . (38) .

وإذا تعدّينا إقبال والهند إلى شعراء آخرين في أرجاء أخرى من عالمنا الإسلامي واستقرانا الإنتاج الشعري الغزير الذي وضعوه بين أيدينا وجدناهم يرجعون الأسباب إلى ?

أ- فساد السلطة السياسية ? التي وجد فيها الغرب خير معين وخير خلف له . والمتسمة عموما بالتبعيّة في خياراتها وتوجّهاتها وبالاستبداد في تعاملها مع رعاياها وبالخلاف فيما بينها ... والتي نبذت بأسلوب أو بآخر شرع الله وراء ظهورها وعملت على تعطيل أحكامه في القضايا المصيرية للامة وتقليص تأثيره في الحياة الإسلامية ?

ساسة الحكم نابذوا شرعة الله فحفّت ديارنا البأساء

كم أضاعوا باسم الشعوب شعوبا طحنتها المكائد الهوجاء (39)

... واحتضنت النموذج الغربي مسترشدة باختياراته وتوجهاته دون مراعاة لخصوصيات الواقع الإسلامي ودون اعتبار لمشاعر المسلمين الذين هم تحت سلطتها حتى أن الشاعر ليحتار في هؤلاء شكلا وانتماء ?

كم من زعيم في الشكل من صنع باريس وفي العقل من عصور الجليد

..."وارتبطت بمراكز القوى الكبيرة في توجيه السياسة العالمية العلنية منها والسريّة بدعوى الانسجام في المبدأ والتخطيط في السياسة المشتركة والاعتماد على قوة أخرى وانتهت إلى التمزّق بين أجزاء الأمة الإسلامية لا سيما الأمة العربية الواحدة وأدت هذه الكارثة التاريخية الكبيرة إلى ضياع وحدة الأمة عقيدة وحضارة وهدفا ومصيرا"... (40)

وهذه السلطة برموزها السياسية الهشّة وأشكالها المستغربة وانتماءاتها المتباينة قد خيّبت أمل المسلمين في أن يجدوا فيها الأسوة القيادية الصالحة والقدوة المشرّفة وخيّبت ظنّهم في أن يروا ظلال لعمر وخالد وصلاح الدين ... يثأرون لكرامة الأمة المجروحة ويعيدون إليها اعتبارها كأمّة شاهدة ورائدة لها مجدها وشرفها وحضارتها, وهذه رسالة كل من يتولّى أمر هذه الأمة ويتربّع على سدّة الحكم فيها, إلاّ أن رموز السياسة في عالمنا العربي والإسلامي كانت همومها وطموحاتها متناقضة ومتضاربة مع رسالة الأمة وتوجّهاتها, ومع تطلّعات شعوبها ومعاناتها, إذ لم تذق هذه الأخيرة في ظلال حكمها وولايتها غير الأزمات الحادّة والنكبات المرّة والهزائم المشينة, ولم تجن من وراءها إلا مزيد الحرمان والتخلّف والضياع . فبينما يحدّثنا التاريخ أننا شعب:

نرث البطولة عن جدود حطّموا كل الطغاة

ومضوا لإصلاح الحياة يرونهم هدي الإله

سقيًا لعهد أولئك الغر ّ الميامين الأباه

كم أدّبوا دولا وكم في الله قد داسوا جباه (41)

نجد الواقع المعاصر يصدمنا بنماذج مغايرة وصور باهتة:

واليوم تخلفهم زعانف ما لها في الأمر حيلة

رتب و تيجان و سلطان و أخبار طويلة

وتخيفهم يا للفضائح والأسى عصب دخيلة (42)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت