فهرس الكتاب

الصفحة 880 من 2255

ولكي تمدّ في أنفاسها وتركّز وجودها, عملت هذه القيادات منذ انتصابها على خلق وترسيخ واقع متخلّف ومائع ومنبتّ عن أصالته وتراثه, له معاييره الخاصة وموازينه العجيبة وقيمه الغريبة وقد أبدع الشاعر أحمد فرح في رسم ملامحه النّكدة:

كل الرذائل ليست عندنا خطرا أماّ الفضائل فهي البعبع الضّاري

إذا رأوا حانة قرّت بلابلهم و إن رأوا مسجدا ثاروا بإنذار

ذو الدين في عرفهم تخشى غوائله فما يقرّب إلا كل خمّار

إذا سكرت ففي أمن و في دعة و إن تصلّ فمحفوف بأخطار

حريّة الشعب في أبواق دعوتهم حكم المباحث و الإرهاب و النار (43)

هذا إذن السبب الأول والرئيسي كما يبرزه الشعر المعاصر والذي يرى الشاعر المسلم أنه المسؤول المباشر عن مآسينا وتخلّفنا وهزائمنا والذي كان وراء انحراف الأمة عن صراط الله المستقيم, وسقوطها في مهاوي التبعيّة والذلّ والهوان.

ب- ضعف الإيمان وفساد الأخلاق: الذي استشرى في عالمنا الإسلامي عندما ضعف فينا الوازع الإيماني وتخلّينا عن تعاليم ديننا وعققنا بشكل أو بآخر عقيدتنا وزيّنا لأنفسنا الهروب من الحياة في ظلال القرآن:

لماّ تركنا الهدى حلّت بنا محن وهاج للظلم والإفساد طوفان

ومن ثمّ بهتت في نفس المسلم مقوّمات الخلق القويم وانقلبت موازين الحق والخير والعدل وزعزعت مقاييس الشرق والرجولة والبطولة وأبح المجتمع يعجّ بأنماط شاذة من السلوك ونماذج بشرية غريبة في أشكالها وانتماءاتها وهمومها:

هذا إلى صنم يطيف به وذا عبد النّساءا

وهذا من ظنّ الرّياء براعة فغلى رياءا

والمال آلهة فقدّسه .... وكان له فداءا

والموبقات العاشقات ضربن بينهم النّجاءا (44)

ويبيّن الشاعر وليد الأعظمي ما آلت إليه حالنا عند هجرنا للدين وما أثمر هذا الهجر من مآسي:

فمن هجرنا للدين صرنا بحالة يكاد لها قلب الحليم يقطع

وقد أصبحت كل المدارس عندنا تصدّ عن الدّين الشباب و تمنع

وقد طبعتنا كل طبع مدنّس وللمرء من دنياه ما يتطبّع

فمنها سرت روح التفرنج بيننا وما زال فينا عقرب الجهل يلسع

وقد عمّت الفوضى البلاد بأسرها فلم ينج بيت من أذاها ومجمع

وكم من سجايا حلوة قد تبدّلت بأنفسنا ممّا نراه و نسمع

فحلّ محلّ الاحترام تذبذب و حل ّ محلّ الاتّزان تنطّع (45)

ج - الاغتراب الثقافي وموضة الشعارات: التي انتشرت في ديارنا وصارت لها متاجر تروّجها هنا وهناك وأبواق تسبّح بحمدها ليل نهار وسياسات تتبنّاها وتدعّمها ومؤسسات تسهر على تنفيذها وتسخّر لها كل ما من شأنه أن يمدّها بأسباب البقاء والاستمرار وقد أشار الشاعر أحمد فرح إلى النكبات التي جرّها هذا الاغتراب وخلّفتها هذه الشعارات:

أتتركون كتابا فيه ذكركم وتشترون به مسموم أفكار

مبادئ الكفر قد جرّت هزائمنا وصيّرت عارنا نشرات أخبار

تقسّمتنا شعارات يروّجها في شعبنا كل طاغوت وغدّار (46)

ويبيّن منذر الشعار بعض ملامح هذا الاغتراب في خطاب تهكّمي يقرع به آذان أنصاره وجنوده ومروّجيه:

تبعتم درونا ً في كل واد وقول الله فوقكم سنيّ

وما يهدر فرويد فهو حقّ و يترك للغبار الشافعيّ

وحتّى الشعر احضر من علوج وأسكت ذو البيان اليعربيّ

وصوّر بعضكم صورا وأرخى سوالفه فقيل الألمعيّ

لحقتكم كل زي من فرنج وغيّبت العمائم و اللّحيّ (47)

وهكذا اجتاحت بلاد الإسلام على طول رقعتها مفاهيم هجينة وظواهر مستحدثة تحت اسم الفنّ والعلم (؟؟) وتحت شعار الحريّة والتقدميّة ... إلى آخر القائمة ... تستهدف نسف مقوّمات أخلاقية عريقة في علاقاتنا الاجتماعية, وتقوم على دعاوي مدمّرة تسخر من أصولنا الفكرية والعقائدية:

و إن لبسوا مرقّعة لبستم و مزّق ثوب خزّ أتحميّ

وإن ركبوا الجرائم فهو فنّ وإن نشروا الرذائل فهو طيّ

وإن كفروا بربّ العرش قلتم علوم حجّا رآها المعيّ

وإن رفعوا لكم صنما سجدتم فأين محمد يا جاهلي ّ؟؟ (48)

وهكذا ساهمت الفنون والثقافة المستهجنة التي غزت ربوعنا في تخلّفنا:

وسقطنا...

إذ رضعنا كلمات الآخرين

... قد دحرنا.

يوم صار الفنّ مأخوذا كبيرا

يوم أضحى الشعر كأسا ...

وسريرا

لقّنونا:

لا يكون الحبّ حبّا

دون عري الركبتين

فسمعنا

وأطعنا

... ما قتلنا

أو سبينا

بصواريخ الفنا

حقنونا

فانتحرنا

بمزامير صنعنا لحنها ...

كالبلهاء .. (49)

"فقد تكّشف من خلال كلمات الأغنية ومن خلال حوار المسرحيات ومن خلال أهداف القصة أن الغرض إنّما يرمي إلى القضاء على الطبيعة الإسلامية في النفس البشريّة وتحويلها إلى نفس أخرى وثنيّة إباحية لا هدف لها إلا المطامع والأهواء والاستجابة للغرائز ... وقد استشرى هذا الخطر فأصبحت تلك المفاهيم وكأنها مسلّمات تجري على الألسنة وتحاكم بها الأمور والعلاقات وأخذت تحلّ شيئا فشيئا مكان القيم الأساسية التي رسمتها العقيدة والأخلاق"... (50)

هذه إذن أهم الأسباب المباشرة التي جرّت هزائمنا وكانت وراء تخلّفنا ومآسينا وقد عرّى عنها الشعر الإسلامي المعاصر ورسمها بكل وضوح وصدع بها محذّرا ومنبّها دون تزييف أو تعتيم .

إلا أن الشاعر المسلم لم يقف عند حدّ كشف العلّة بل نراه يتعدّى إلى رسم شروط النهضة والانبعاث وتبيان سبيل النجاة وطريق النصر.

2)شروط النهضة في مرآة الشعر الإسلامي:

عند استقرائنا لديوان الشعر الإسلامي المعاصر نجد أن الشاعر يشترط للنّهوض بالأمة والقيام بالدور الحضاري لتغيير مجرى الحياة الإسلامية من دور الركود إلى دور الفعالية والتأثير ثلاث شروط:

أولا: الرجوع الصادق إلى الله تعالى: وتجديد الإيمان والعيش في ظلال القرآن الكريم والعمل الحازم والملتزم بتعاليم الدين الحنيف: لأنّ في الرجوع إلى المولى سبحانه, رجوع إلى الرشاد, رجوع إلى العزّة والقوّة والهدى:

للشرق داء لا يرجى برؤه إلا إذا أخذ الكتاب دواء

والله جلّ الله أخبر أن في آياته للمؤمنين شفاء (51)

ورجوع أيضا إلى الرعاية الحانية المقتدرة, ورجوع إلى مصدر الفاعلية والتشريع الشامل:

يا سادة الحقل للإسلام قاعدة إذا رعينا حقوق الله يرعانا

شتّان ما بين تشريع السماء لنا وبين تشريع أهل الأرض شتّانا

روّضوا على منهج القرآن أنفسكم يمدد لكم ربّكم عزا و سلطانا (52)

ويرى الشاعر محمد صيام في العودة الواعية إلى الله سبحانه نجاة من الشقاء وإنقاذا من الضلال:

يا أيها الناس فلتنجوا بأنفسكم ولا تكونوا كمن ضلّت مساعيه

عودوا إلى الله ينقذكم برحمته من الشقاء الذي بتنا نعانيه

ولتستقوا من كتاب الله منهجكم فليس في الأرض منهاج يدانيه (53)

خاصة وقد جرّبنا كل المناهج الأرضية وبلونا كل النظم الوضعية واسترشدنا بشتّى الشعارات الشرقية منها والغربية, اليمينية واليسارية فما جنينا غير الخسران والانحطاط:

بلونا كل أنظمة البرايا نروم العدل للدنيا و نقفو

و جربنا دساتيرا كثارا مهلهلة عن البلوى تشفّ

متى رمنا الصّلاح بها فسدنا ومن خزي إلى أخرى نسفّ

وقد ذقنا التوى منها إلى أن جزمنا أنها ظلم و زيف (54)

ذلك أن الذي يوقن به كل مسلم صادق وكل مؤمن واع أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها:

العقل والحق والتاريخ أعلنها ما في سوى دينكم حظّ لمختار

كما أن سيرنا إلى المجد والريادة يأخذ منطلقه من مدرسة المسجد:

من جانب المحراب يبدأ سيرنا للمجد لا من جانب الماخور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت