فهرس الكتاب
ثانيا: بناء الذات المبدعة: وبعث الشخصية الإسلامية الفذّة والفاعلة, التي تحذق أساليب الحياة الناجحة وتأخذ بوعي وعلم وحزم بأسباب النهوض والتقدم وتسخّر كل طاقاتها ومواهبها وإبداعاتها في سبيل التجاوز بالأمة من رصيف التخلّف إلى قمم المجد والقيادة: زادها الإيمان والعلم واليقين ورائدها الجهاد والإصلاح وقدوتها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وغايتها الله جلّ في علاه, لا تعرف الخمول والتواكل بل تتسم بالمبادرة والفاعلية والجدّ والحزم:
قوم إذا داعي الجهاد دعاهم هبّوا إلى الداعي بغير توان
وبنعمة الإسلام عاشوا إخوة شركاء في الأفراح والأحزان
... محرابهم بالليل معمور بهم يتضرّعون تضرّع الرهبان
وإذا انقضى الليل البهيم وجدتهم بنهارهم يا صاح كالفرسان
و هتافهم الله أكبر إنهم لم يهتفوا بحياة شخص فان (55)
وحول أهمية الدور الذي تلعبه الذات المسلمة في البناء والتغيير والإصلاح يقول الدكتور عبد الحليم عويس: إن عودة هذه"الذات المسلمة"بكلّ شروطها الإيجابية وبكل تفاعلها مع الرسالة وبكل التزامها بالدور الإنساني العام ... والتي تتصدّى لحمل الأمانة ودور القيادة أمر ضروري ... ليس للذات المسلمة وحدها ولا للأمة المسلمة وحدها, بل من أجل جميع الإنسانية الضّالة ...
ولكي تستمرّ حضارة الإنسان على هذه الأرض إذا ما كان مقدّرا لها في علم الله أن تسير آمادا أخرى في التاريخ.... (56) .
ثالثا: إعادة دور الأمومة الواعية: إن بناء الذات المسلمة وبعث الشخصية الفاعلة وتخريج نشء إسلامي قادر على الجهاد والإبداع والتغيير, يستوجب توفير المحضن النظيف والخصب, الممثل في الأسرة الملتزمة بالكتاب والسنّة , كما يستوجب إعادة دور الأمومة الواعية التي باستطاعتها تربية جيل مؤمن بربّه , متأسّ برسوله ومقدّس لكتابه , يجاهد في سبيل تقدّم الأمة بفكره وساعده ويصون دينه بروحه ودمه . ذلك أن الأمومة مدرسة وحضن يرتبط صلاح الأمة بصلاحها ويرتبط سقوطها بفسادها: ألم يعلنها شوقي من زمان:
من لي بتربية البنات فإنها في الشّرق علّة ذلك الإخفاق
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيّب الأعراق
ولهذا نرى الشاعر الإسلامي المعاصر يولي اهتماما خاصا بالأم المسلمة ويلمح في صلاحها واستقامتها وإيمانها والتزامها شارة النصر والنهوض ويرى في أدائها لدورها الرئيس: دور الأمومة - مسؤوليتها الكبرى وأمانتها العظمى, لذا يلفت نظرها إلى الجزم في أداء هذا الدور الجليل وتحقيق هذه الرسالة , حتى نقترب من النصر ونحقق الانبعاث والسيادة:
يا أخت أنت رعاك الله عدّتنا لخلق جيل قويّ غير مشبوه
فلقّني طفلك الإسلام فهو له كالمنهل العذب ما ينفكّ يرويه
وأبعديه عن الشيطان يفتنه بجنده الكثر في الدنيا ويغويه
وسلّحيه بما في الدين من أدب ومن محبّته البيضاء فاسقيه
ونشئيه على هدى الكتاب ومن آياته الغرّ يا أختاه غذّيه (57)
وهكذا يكون الشاعر المسلم قد ساهم في موقعه , في دفع الأمة نحو التقدم والنهوض بما كشف من علل التخلّف وأسباب السقوط وبما رسم من شروط يرى فيها سبيل النجاة والانبعاث .
وهذا دليل بيّن في كون الشاعر الإسلامي كان ولا يزال صادقا في التزامه بقضايا أمّته ومتفهّما لدوره ورسالته الشعرية وواعيا بمهمته كمجاهد بالقافية الصادقة وبالكلمة الحيّة في الساحة الثقافية ... وأن معاناة الأمة الشاهدة تسري في عقله ووجدانه.
صلاح الدين الأيوبي في ذاكرة الشعر الإسلامي
الأمة الإسلامية هي أمة جهاد ومجاهدة: على مستوى النفس والميدان . وتاريخها تاريخ جهاد بما فيه من عدّة وعتاد وكرّ وفرّ ونصر وفتوحات وبطولات وملاحم ومرابطة ....
وقائمة الخالدين من عظمائها وأعلامها وقادتها , تتصدّر مراتب الشرف فيها أسماء المجاهدين والشهداء ثم الذين يلونهم من العلماء والصالحين.
ومن هنا كانت أفراح النصر وأخبار الفتح وآيات البطولات الرائعة وأحاديث الملاحم النادرة وهموم الجهاد ... تشغل مساحة هائلة من ديوان الشعر الإسلامي - إلى جانب غيرها من المواضيع الاجتماعية والإنسانية والحضارية -... ومع الاهتمام طبعا بالشخصيات التي كانت وراء تلك الانتصارات والفتوحات والبطولات التي زيّنت واجهة التاريخ ... وتركت بصمات مشرقة وشاهدة في سجلات الإصلاح والتغيير ..
فمما يلفت النظر عند دراسة التراث الشعري القيّم الذي تمخضّت عنه القريحة الإسلامية على مدى قرون من التاريخ الإسلامي, تردد بعض الأسماء الكبيرة لأقطاب العلم والتقوى وأعلام الجهاد والإصلاح: مدحا ورثاء وتمجيدا وتخليدا ... ولعل اسم صلاح الدين الأيوبي هو أكثرها ورودا خاصة في منظومات الشعر المعاصر. فلأي ميزة في شخصية هذا القائد المجاهد تنشغل ذاكرة الشعر الإسلامي بترديد اسمه وذكر أخباره وأحواله في قصائد يتغنّى بها القاصي والداني ؟؟
صلاح الدين .... في شعر معاصريه:
لعل أبسط تعريف لصلاح الدين رضي الله تعالى عنه, أو بعبارة أخرى: إن التعريف التاريخي والشعبي لصلاح الدين هو أنه بطل الحروب الصليبية ... إلا أن شخصية هذا القائد المجاهد في تقدير الشاعر هي أعمق وأبعد وأحب من أن يحصرها ويفي بحقها هذا التعريف العادي والمحدود . ومن ثم تراه يضفي عليه من جوامع الأوصاف وكبير الألقاب وبديع الكنى كل ما من شأنه أن يبرز هذا البطل الفذّ في صورة الذات المسلمة المبدعة في مواقفها, النادرة في جهادها والفريدة في أخلاقها, مما ينمّ - في نظري- عن مدى التقدير والتوقير والإعجاب الذي يكنّه الشاعر إزاء هذه الشخصية من جهة, وعن مدى التأثير العميق والجاذبيّة القوية التي يتميّز بها صلاح الدين ... من جهة أخرى .
فهذا الشاعر أبو علي الحسن الجويني يعرّفه بقوله:
الهمام الغضفر الملك النّـ اصر مولى الورى صلاح الدين
يا مليكا أضحى الزمان ينا جيه بلفظ المذلّل المسكين
يا مليكا يلقى الحروب بحول الله مستعصما و صدق اليقين (58)
وهذا الشاعر يوسف بم حسين المجاور يعرّفه قائلا:
ملك إذا أم ّ الملوك جنابه لاذوا بأكرم من يؤم ّ وأشرف
وإذا أتوا أسرى على أبوابه وقفوا بأعظم من يصول وأرأف
مولى غدا للدين أكرم والد حدب على أبنائه مترفرف (59)
و أما أسامة بن منقذ فيلقبه بناصر الإسلام ومظهر الإيمان (60) :
يا ناصر الإسلام حين تخاذلت عنه الملوك ومظهر الإيمان
ولن نستنجد بالخيال لنصور المكانة العالية التي تنفرد بها شخصية صلاح الدين العظيمة في وجدان معاصريها . إذ في مصادر التاريخ الصحيحة والموثوقة ما يغني عن ذلك: إذ تنقل لنا هذه المصادر لوحات حيّة نابضة ومشاهد واقعية صريحة , تعبّر بحق وبصدق عن القيمة النفسية والبطولية التي حازتها شخصية هذا القائد الرسالي في قلوب معاصريه , وتترجم بعمق مدى الإجلال والتوقير المبصر والإكبار والإعجاب الواعي الذي يكنّه المسلمون للمجاهد الربّاني الذي ردّ النصارى على أعقابهم وأعاد- بما حقق على أرض الواقع من بطولات وانتصارات ومروءة وشهامة...- الاعتبار إلى أمة الإسلام كأمة شاهدة ذات عزّة وسلطان ... حتى أن موت صلاح الدين- في إطار هذا الإعجاب والحب والإكبار- لا يعني عند شاعر كعماد الأصفهاني, موت شخص واحد بل يعني عنده موت أمة بأكملها وسبب ذلك راجع إلى المكانة المعنوية التي كان يمثّلها هذا القائد وهو أنه كان رمز قوة هذه الأمة ورمز وحدتها , والذي حققّ لها الحياة بشكلها الإسلامي الصحيح والفاعل: حياة العزّة والوحدة والقوة والنصر:
بالله أين النّاصر الملك الذي لله خالصة صفت نيّاته