فهرس الكتاب

الصفحة 884 من 2255

ظلت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج المثالي للحياة الإنسانية الحقة بكل أبعادها،والمعين العذب الذي لا ينضب على مر العصور والأجيال، ونالت من عناية العلماء قديما وحديثا مسلمين وغير مسلمين ما لم تنله سيرة نبي ولا زعيم،وتفنن المسلمون في كتابتها والتصنيف في جزئياتها أيما تفنن،كيف لا وهي سيرة أعظم رسول وأكرم الخلق على الله تعالى.

وهؤلاء الذين كتبوا في السيرة النبوية لم تكن طريقتهم واحدة ، بل تفرقوا طرائق قددا.والملاحظ أن السيرة النبوية في عصرنا لم تكتب فيها الأقلام الإسلامية فحسب، بل كتب فيها غير المسلمين أيضا، وفي هؤلاء وأولئك المنصف في البحث المخلص في طلب الحقيقة وفيهم الحاقد على الإسلام المنحرف عن سواء السبيل .وهذا الاختلاف مرده إلى ما يدين به كل كاتب من عقيدة وما يعتقده من آراء وأفكار.ومن ثم تتعدد النتائج التي يتوصل إليها الكاتبون في السيرة تبعا للمنهج المتبع في دراستها.

وإذا كان عموم الأقدمين يكتفون بسرد أحداث السيرة النبوية ولا يهتمون بالتحليل والاستنباط إلا قليلا منهم، فعلى العكس من ذلك كثير من الكتاب المعاصرين الذين قطعوا أشواطا بعيدة في تحليل أحداث السيرة النبوية واستنباط الدروس والعبر منها، ومناقشة الكثير من قضاياها.

والكتابة المعاصرة في السيرة النبوية قد توزعتها اتجاهات شتى ومناهج مختلفة تبعا لانتماء صاحبها الديني والفكري.ففيها الأصيل الذي حاول مراعاة الأمانة العلمية في الكتابة،وتوثيق الخبر وعدم التعسف في التأويل، والاستفادة من السيرة النبوية للنهوض بالمسلمين.وفيها الدخيل الذي حاول جاهدا تسخير السيرة النبوية لخدمة أهوائه وخلفياته على اختلافها، مادية وعلمانية وتلفيقية وشيعية.. وغيرها. وحسب علمي فالذين اهتموا بهذا الموضوع1 أفراد قلائل ، وكان المفروض أن ينال هذا الموضوع كبير اهتمام الباحثين المسلمين ، أولا لأهمية السيرة النبوية في البنيان الإسلامي ، وثانيا لاكتساح المناهج الحديثة شرقية وغربية ساحة السيرة النبوية بتحليلاتها المغرضة والتي تشكل خطورة كبيرة على فكر الأمة وثقافتها.

وأوفى كتاب تطرق لهذا الموضوع حسب علمي هو (دراسات في السيرة النبوية ) لمؤلفه سرور بن نايف زين العابدين، والذي ركز فيه على كتابات أصحاب المناهج المنحرفة في كتابة السيرة النبوية ،وقسمها إلى ثلاثة أقسام:

1-المستشرقون، عرض في هذا القسم كتاب تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان، وكتاب الدعوة إلى الإسلام لأرنولد.

2-دعاة التغريب، وعرض فيه لكتاب دروس قرآنية ليوسف إلياس حداد، وكتاب محمد الرسالة والرسول لنظمي لوقا ،ولما كتبه جورجي زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي وأيضا لما كتبه طه حسين في كتبه: (على هامش السيرة) و (الشيخان) و (الفتنة الكبرى) .

3-المدرسة الإصلاحية،تحدث في هذا القسم عن موقف الإصلاحيين محمد عبده والخضري وهيكل .. من المعجزات ، ومواقفهم من قضايا أخرى كحديث الآحاد والسحر ونزول القرآن2.

وكثيرة هي القضايا التي عرضت لها الكتابات المعاصرة في السيرة النبوية،وليس من شأن هذا البحث تتبعها و لااستقصاؤها،فذلك أمر يطول. وإنما مثلت هاهنا بما أراه قضايا رئيسة في هذه الكتابات، والقاسم المشترك بين كثير منها، وحصرتها في ثلاث:

أولا: التشكيك في كتب الحديث والسيرة النبوية:

ثانيا: إنكار الأحاديث الصحيحة:

ثالثا: إنكار المعجزات والتشكيك فيها والتعسف في تأويلها:

أولا/التشكيك في كتب الحديث والسيرة النبوية:

وهذا التشكيك تارة يتذرع بكون مرويات هذه الكتب تخالف القرآن الكريم، وتارة باختلافها حول الحدث الواحد، وتارة بزعم تأخر تدوين هذه الكتب ،وتارة أخرى با تهام مصنفيها بالكذب والتدليس والعمالة للأمويين !

ولعل من أوائل المحْدثين الذين شككوا في كتب السيرة النبوية محمد عزة دروزة في كتابه (سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم صور مقتبسة من القرآن الكريم) 3.والذي حذا به إلى تأليفه هو الاختلاف الحاصل في مصادر السيرة النبوية بحيث لم تعد تبعث في النفس الطمأنينة والثقة بها ، فضلا عن اليقين ، ومثل لذلك بسيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد ! وبناء عليه يشكك دروزة في كثير من مرويات السيرة النبوية ، بحجة أن هذه المرويات تختلف حول الحدث الواحد ، إضافة إلى كونها تناقض النصوص القرآنية4.

ونحن نتفق مع الكاتب في اعتبار القرآن الكريم المصدر الأوثق للسيرة النبوية ، بحيث يرد كل ما يعارضه مما ورد في مصادر السيرة الأخرى، لكن لا نتفق معه في منهج التشكيك هذا الذي اعتمده بإطلاق ، وحاول به نسف مرويات السيرة، لأن ما تذرع به لا يكفي للطعن فيها، إذ إن اختلافها حول الحدث الواحد، والتناقض فيما بينها لا يعني ردها كلها، بل فيها الصحيح والضعيف والراجح والمرجوح، فنقبل الأول ونرد الثاني وفق قواعد المحدثين.هذا إذا تعذر الجمع فيما بينها، بوجه من الوجوه،أما إذا أمكن ذلك فالجمع مقدم على الترجيح كما هو معلوم عند أهل الشأن.

هذا فضلا عن أن القرآن الكريم لم يعرض لكل أحداث السيرة، بل عرض لبعضها فقط،أما تفاصيل الأحداث فمظنتها كتب الحديث والسيرة النبوية.ولو سلمنا بدعوى دروزة، لافتقدنا كثيرا من أحداث السيرة،وكثيرا من تفاصيلها.

وبناء على هذا المنهج فالأستاذ دروزة لا يسلم بوقوع أذى بدني على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، بحجة اختلاف نصوص الروايات مع وحدة الشخص المعزو إليه ارتكاب الإثم في بعضها، وعدم ذكر القرآن شيئا ما يدل على وقوع الأذى فعلا، واستثنى المؤلف من ذلك رواية ما كان من رجمه وجرحه صلى الله عليه وسلم من قبل بعض الرعاع في الطائف، وعلل ذلك بأن الظروف التي وقعت فيها الرحلة إلى الطائف، وما وقع له فيها مما يدخل في دائرة الاحتمال كثيرا !5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت