وما الذي يمنع أن تدخل روايات إذاية النبي صلى الله عليه وسلم الأخرى أيضا في دائرة الاحتمال، وقد وردت بأسانيد صحيحة وتواترت رواياتها في كتب السيرة ؟ أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( بينا النبي صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش جاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرفع رأسه فجاءت فاطمة عليها السلام فأخذته من ظهره ودعت على من صنع فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم عليك الملأ من قريش أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف أو أبي بن خلف شعبة الشاك فرأيتهم قتلوا يوم بدر فألقوا في بئر غير أمية بن خلف أو أبي تقطعت أوصاله فلم يلق في البئر) 6 . وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال: (قال أبو جهل:هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟قال: فقيل:نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب، قال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال:فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه قال فقيل له مالك فقال إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا قال فأنزل الله عز وجل لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه:(كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى- يعني أبا جهل- ألم يعلم بأن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية كلا لا تطعه- زاد عبيد الله في حديثه قال: وأمره بما أمره به. وزاد ابن عبد الأعلى: فليدع ناديه ، يعنى قومه) 7.
وقد ختم المشركون أذاهم للنبي صلى الله عليه وسلم بمحاولة قتله أواخر المرحلة المكية مما كان سببا في الهجرة نحو المدينة المنورة.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما لاقاه من أذى قريش قبل أن يمس الأذى أحدا من أتباعه، يقول فيما رواه عنه أنس بن مالك: (لقد أخفت في الله عز وجل وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ولقد أتت على ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولا لبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ) 8.فما الذي يمنع كون النبي صلى الله عليه وسلم قد أوذي في الله وقد أوذي من قبله الأنبياء والرسل، بل منهم من قتل؟والأستاذ دروزة يعلم أن قريشا قد تجرأت على قتل النبي صلى الله عليه وسلم،أفلا تجرؤ على ما هو أهون من القتل وهو الأذى البدني؟وهل لنا أن نلزم القرآن بذكر ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك حتى نسلم به؟وهل اختلاف الروايات مبرر للطعن فيها وردها من أصلها؟أم المطلوب هو الجمع بينها إن أمكن ذلك، أو الترجيح؟.
وممن اعتمد منهج التشكيك أيضا ، محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد صلى الله عليه وسلم) الذي دندن كثيرا حول ما سماه بالطريقة العلمية الحديثة في كتابة السيرة النبوية، وكان من جملة ما دفعه إلى هذه الطريقة زعمه تأخر تدوين كتب الحديث والسيرة النبوية إلى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمائة عام أو أكثر، وذلك في ظروف المنازعات السياسية والتي كان اختلاق الروايات والأحاديث بعض وسائلها إلى الذيوع والغلب9.
ثم بعد ذلك بصفحات يزعم تأخر كتابة الحديث والسيرة النبوية إلى عهد المأمون وقد مضى قرابة قرنين على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعد شيوع الأحاديث الموضوعة بكثرة راعت المسلمين، إذ ذاك -يقول هيكل-قام الجامعون بجمع الأحاديث، وتولى كتاب السيرة كتابتها، فقد عاش الواقدي وابن هشام والمدائني وكتبوا كتبهم أيام المأمون، وما كان لهم ولا لغيرهم أن ينازعوا الخليفة في آرائه مخافة ما يحل به، ولذلك لم يطبقوا ، بما يجب من الدقة هذا المقياس الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوب عرض ما يروى عنه على القرآن، فما وافق القرآن فمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما خالف القرآن فليس منه10.
بل هو يرى أن أكثر كتب السيرة أضاف إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يصدقه العقل، ولا حاجة له في ثبوت الرسالة11، ويرى أنه قد دس فيها خرافات لا يسيغها العقل، ولا يقبلها الذوق12.
ثم إن مقاييس المحدثين غير كافية في نظر هيكل لقبول الحديث، و عنده أن (خير مقياس يقاس به الحديث وتقاس به سائر الأنباء التي ذكرت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما روي عنه عليه السلام أنه قال:( إنكم ستختلفون من بعدي ، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فمني،وما خالفه فليس مني) .وهذا مقياس دقيق أخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى، وما زال المفكرون يأخذون به إلى يومنا الحاضر13 .ثم هو مقياس (يتفق مع قواعد النقد العلمي الحديث أدق اتفاق) 14.
ودعوى هيكل تأخر تدوين كتابة الحديث إلى ما بعد ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمائة عام أو أكثر مردود عليه ، ولا أساس له من الصحة ،فثمة نصوص كثيرة تثبت كتابة الحديث على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كتلك التي أخرجها البخاري في صحيحه في كتاب العلم باب كتابة العلم.إضافة إلى كتابته صلى الله عليه وسلم لصحيفة المدينة في السنة الأولى من الهجرة، وكتبه ومعاهداته المدونة صلى الله عليه وسلم ،والتي كانت بينه وبين كثير من بطون العرب وطوائف اليهود والنصارى، فضلا عن كتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام،وإلى عماله وقادة جيشه فيما يتعلق بأحكام الدين وشؤون الدولة15.وقد أربت هذه الكتب على ثمانين ومائتي كتاب، كما ذكر الدكتور محمد حميد الله في كتابه ( الوثائق السياسية) .
وخطأ هيكل جاء من كونه لم يفرق بين الكتابة والجمع والتدوين ، فقد كتب الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وجمع في عهد عمر بن عبد العزيز، ودون في عهد المأمون.ثم إن السيرة النبوية، وهي جزء من الحديث،نجد أعلام الطبقة الأولى ألفوا فيها كتبا في القرن الهجري الأول أمثال عروة بن الزبير (ت94هـ) ،وشرحبيل بن سعد ( ت 103هـ) ،وأبان بن عثمان (ت 105هـ) .ثم تلتهم طبقة أخرى في القرن الهجري الثاني أبرز أعلامها عبد الله بن أبي بكر بن حزم (ت 105هـ) ، وعاصم بن عمر بن قتادة (ت 120هـ) ،ومحمد بن شهاب الزهري (ت124هـ) .فما كتبه هؤلاء الرواد الأوائل في المغازي ، والنقول التي وصلتنا عنهم ، هي أبلغ رد على هيكل وأمثاله ممن يرجمون بالغيب ،ويصادمون حقائق التاريخ .
على أن دعوى هيكل هذه إنما تلقفها من بعض المستشرقين ،كما تلقفها غيره أتباع كل ناعق .وإنما أُتي هؤلاء من ظنهم أن أول كتاب في الحديث هو كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس (ت 179هـ) ،وأول كتاب في السيرة كتاب المغازي لابن إسحاق ، فاعتبروا العقود الأولى من القرن الثاني بداية تدوين الأخبار والسير ، وليس الأمر كذلك ، فإن بواكير التدوين بدأت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي القرن الأول الهجري16.
ولست أرى حاجة إلى الإطالة في الرد على هذه الدعوى أكثر من هذا،فقد فصل القول في ذلك علماء أجلاء كالدكتور مصطفى السباعي في كتابه (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) ، والدكتور صبحي الصالح في كتابه (علوم الحديث ومصطلحه) ، .. وآخرون.