وليس هذا في حالة عدم التأكد من خبرة وعلم القائد فقط، بل حتى إن وجدت الثقة والتقدير للقيادة فهذا لا يعني إلغاء دور التفكير والبحث عن سبل العمل المنتجة، فهذا المصطفى صلى الله عليه وسلم يتقدم له الحباب بن المنذر ليوضح له أن الموقع الذي اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية غزوة بدر معسكرًا للمسلمين لا يصلح، فينزل القائد صلى الله عليه وسلم على رأي صاحبه، وهذا سلمان الفارسي رضي الله عنه يشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم القائد بفكرة الخندق فيمضيها القائد صلى الله عليه وسلم ويأمر بالتخندق. كل هذه المعطيات تدل على أن هذه الكتلة البشرية كانت تفكر وتنظر، ولا تُسلٍّم - حتى مع وجود المصطفى صلى الله عليه وسلم - بأن القيادة تملك حلول كل المشاكل، وأن بيدها مفاتيح كل شيء، وأن المستوى القيادي يعلم كل شيء، فتتعطل بذلك العقول، وتضيع الطاقات، التي هي ثروة هذه الأمة. وهذه هي غزوة الأحزاب لا تحسم لصالح المسلمين إلا بتدخل شخصية لم تسلم إلا في أجواء الغزوة، نعيم بن مسعود الذي جاء للرسول e - بعد أن أسلم - ويطلب من النبي e أن يساهم معهم فلا يطلب النبي منه سوى أن يخذل عن المسلمين، وبالفعل يأتي بفكرة إبداعية - ليست من إبداع الرسول القائد - وتحسم المعركة لصالح المسلمين. لم يكن التفكير حكرًا على أبي بكر وعمر وصفوة الصحابة، إنه منهج تربوي نبوي في منتهى الرقي لفن التعامل وإدارة الصراع.
عادةً ما تدفع الحركة ثمن أخطائها مرة ومرتين وثلاث مرات، دون أن يتنبه أحد إلى بساطة الحل، وإلى أن الثمن المدفوع في هذا الخطأ هو مقابل الحصول على فرصة في المستقبل
توماس أديسون:"لقد عرفت ألف طريق لا يؤدي إلى الحل الصحيح"
وهذا سيدنا موسى يأخذ الأمر من الله عز وجل- الذي يعلم السر وأخفى - بالذهاب إلى فرعون، فيفكر ويقترح"رب إني قتلت منهم نفسًا فأخاف أن يقتلون. وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا فأرسله معي ردءًا يصدقني إني أخاف أن يكذبون"77. لقد سجل الله لنا هذا الموقف حتى لا تقدس القيادات وإن كانت على أعلى مستوى، لأن التفكير عبادة وحق لكل مسلم، فكيف بسيدنا موسى يقترح في خطة العمل وهو يتعامل مع رب العالمين؟؟!!
ثالث عشر: عدم الاستعداد لنقد الذات ومراجعة المسار وتدارك الأخطاء
ومن أشد ما تعاني منه عقولنا عدم الاستعداد لنقد الذات ومراجعة المسار وتدارك الأخطاء، وذلك استنادًا إلى أن الإنسان عليه بذل الجهد وليس عليه إدراك النتائج. والخلط بين قدرية النتائج وحدوثها بقدر الله ومشيئته وقتما يشاء وبين المراجعة والنظر في الخطة والتصور ومجال الأخطاء خطأ فادح لا يغتفر. فالله تبارك وتعالى أجاب المسلمين لما تعجبوا من هزيمتهم في غزوة أحد بقوله:"أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم.."78، أي راجعوا سلسلة القرارات والأعمال التي قمتم بها وستدركون مواضع الخلل والقصور. هذا البحث المستمر عن التحسين والتجويد والتطوير تقوم به كل المجتمعات. أما في مجتمعاتنا -
فلسبب أو لآخر - يعتبر النظر إلى الماضي والنظر في أخطائه سبةً أو فتحًا لأبواب الفتنة والخلاف والنزاع والشقاق، والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، وهكذا تكرر نفس الأخطاء وتسيل الدماء وتدفع المجتمعات والقوى الحية ثمن أخطائها مرة ومرتين وثلاث مرات، دون أن يتنبه أحد إلى بساطة الحل، وإلى أن الثمن المدفوع في هذا الخطأ هو مقابل الحصول على فرصة في
نحن أمام منظومة فكرية في ساحة النهضة في المجتمعات الإسلامية تحتاج إلى تغيير شامل
المستقبل. قد يستغرب القارئ هذا القول، ولكن استمع إلى إجابة توماس أديسون عندما سأله أحد الصحفيين عن حقيقة الإشاعة القائلة بأنه أجرى ألف تجربة فاشلة، فكان رده:"لقد عرفت ألف طريق لا يؤدي إلى الحل الصحيح". فهو لم يحاول إخفاء تجاربه الفاشلة؛ بل اعتبرها نجاحًا مهد له الطريق نحو المستقبل. ويقول روبرت شولر:"أفضل أن أغير رأيي وأنجح على أن أستمر على نفس الطريقة وأفشل"79، أما تيس روز فيقول:"إن أي اعتذار لا يصاحبه تغيير يعتبر إهانة"80، بينما يقول ونستون تشرشل:"لا يكفي أن نقوم بعمل ما نستطيع، بل علينا أن نقوم بعمل ما هو مطلوب"81. وفي المؤسسات الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية توجد ملفات كاملة للأخطاء والتجارب الفاشلة التي مرت بها، بحيث يتم الاستفادة منها.
رابع عشر: تسطيح الأمور أو المبالغة والتهويل فيها
ومما يؤدي إلى التخلف التسطيح الشديد للأمور أو المبالغة والتهويل فيها. فبعض المسلمين لديه حلول جاهزة وبسيطة لكل المشاكل. وقسم آخر يهول من الأمور ويضخمها بحيث يتعذر معها فعل شيء، ودائمًا ما يكون حديثه عاطفيًا ارتجاليًا، ويشير من حين لآخر إلى القائد المنقذ الذي سيحرر العالم. وكلا الصنفين يؤدي إلى قتل الإبداع والمبادرة بالأفكار الجديدة.
إننا أمام منظومة فكرية في ساحة النهضة في المجتمعات الإسلامية تحتاج في بعض أجزائها إلى تغيير شامل. وكثير من المؤسسات الخيرة العاملة في الساحة الإسلامية من الأحزاب والجماعات والمؤسسات الحكومية وغيرها تقوم - من حيث لا تدري أو من حيث تدري - بتكريس هذه الظواهر وتربية النشء والعاملين عليها. فهي من جانب تتحدث عن
النهضة، ومن جانب آخر تربي على كل ما يؤدي إلى وقف تيار النهضة. إن عملية البحث عن الفكرة النيرة وقدح العقول في المجتمعات الإسلامية وتغيير أنماط التفكير التي سبق ذكر بعضها هنا هي مقدمة ضرورية لانطلاقة النهضة الإسلامية.
التفكير النمطي
الميل للمجاراة
نقل العادة
مقاومة التغير
عدم التوازن بين التنافس والتعاون
الانسياق التام دون التثبت بدليل أو برهان
الأفكار غير طموحة ولا تناسب الهمم العالية
عدم التركيز على القول بل على القائل
التحفز للرد على الفكرة وعدم الاستعداد للإنصات الجاد لها وتقييمها
الاعتقاد بمعرفة القادة لكل شيء والمبالغة في تقدير قدراتهم
عدم الاستعداد لنقد الذات ومراجعة المسار وتدراك الأخطاء
تسطيح الأمور أو المبالغة والتهويل فيها
المنظومة الفكرية التي نحتاج إلى تغييرها تغييرًا شاملًا
الخلط بين المبدأ والمنهج
حتمية استكمال التربية
عالم الأفكار المطلوب
بتحديد فكرة الزمن يتحدد معنى التأثير والإنتاج
إن أمتنا لا زالت تتعامل مع الوقت على أنه شيء غير محوري في قضية النهضة
أشرنا من قبل إلى تعريف مالك بن نبي لعالم الأفكار. وعلمنا أنه يشمل كل أنماط التفكير والقيم والمشاعر والأحاسيس وقد استعرضنا مجموعة الأفكار القاتلة المنتشرة بين أبناء الصحوة الإسلامية خاصةً وبين جماهير الأمة والمجتمعات عامة.
وقبل أن نترك هذا المشهد لابد أن نستعرض مجموعة من القيم والأفكار الهامة التي تفتقدها مجتمعاتنا بصفة عامة. وسنشير هنا إلى ستة أفكار أو قيم هامة:
أولًا: قيمة الوقت
يقول مالك بن نبي:"وبتحديد فكرة الزمن، يتحدد معنى التأثير والإنتاج، وهو معنى الحياة الحاضرة الذي ينقصنا. هذا المعنى الذي لم نكسبه بعد، هو مفهوم الزمن الداخل في تكوين الفكرة والنشاط، في تكوين المعاني والأشياء، فالحياة والتاريخ الخاضعان للتوقيت كان وما يزال يفوتنا قطارهما، فنحن في حاجة ملحة إلى توقيت دقيق، وخطوات واسعة لكي نعوض تأخرنا، ووقتنا الزاحف صوب التاريخ لا يجب أن يضيع هباءً".82
ويقول:"وسيثبت هذا عمليًا فكرة الزمن في العقل الإسلامي، أي في أسلوب الحياة في المجتمع، وفي سلوك أفراده، فإذا استغل الوقت هكذا فلم يضع سدى، ولم يمر كسولًا في حقلنا، فسترتفع كمية حصادنا العقلي واليدوي والروحي، وهذه هي الحضارة."83