إن أمتنا لا زالت تتعامل مع الوقت على أنه شيء غير محوري في قضية النهضة، وسادت أفكار قاتلة تقول بأن حركة النهضة يمكن أن تتم في مئات السنين، وذلك لتبرير السير البطيء جدًا في طريق النهضة، وتم استدعاء - في غير محله - لبعض القصص مثل قصة سيدنا نوح للتدليل على أن مئات السنين ليست مقياسًا في عمر الأمم.
التجربة النبوية والصين واليابان وألمانيا كلها مشاريع نهضوية أنجزت في وقت قياسي
ورغم أن سيدنا نوح قارب الألف عام في دعوته، إلا أن ذلك لا يعني أن يكون السقف الزمني لمشروع النهضة مفتوحًا لهذا الحد، فحتى سيدنا نوح شهد النصر (الطوفان) في عصره، وهذه كانت أعمار الأمم، أي أن جيله شهد بداية الدعوة كما شاهد انتصارها في نهاية المطاف، فلقد كانت أعمار الأجيال كلها طويلة.
وها هو المشروع النبوي ينجز في وقت قياسي وينجح النبي e في وضع لبنة قوية للمشروع في ثلاثة وعشرين عامًا، قس ذلك على الأمم الناهضة مثل الصين واليابان وألمانيا. ويعقب مالك بن نبي على تجربة ألمانيا - عقب الحرب العالمية الثانية، وبعد أن حطمت الحرب كل جهازها الإنتاجي - بقوله:"يمكننا أن ندرك قيمة الوقت مباشرة في عودة الحياة الاجتماعية والاقتصادية، لشعب لم يبق لديه من الوسائل إثر الحرب الثانية إلا العناصر الثلاثة: الإنسان والتراب والزمن"84
إن تيار النهضة بحاجة أن يدرك قيمة الوقت، وأن كل تأخر فإنه يعني مزيد من التخلف، خاصة إن كان المتربصون بالمشروع يتحركون ليل نهار.
ثانيًا: مفهوم الإيمان:
فالإيمان إذا ما ذكر في مجتمعاتنا قفزت إلى أذهاننا قضايا الوحدانية والنبوة واليوم الآخر. وآخرون - وهم كُثُر - يستحضرون قصص العباد والنساك والزهاد. ولا شك أن الإيمان يشمل كل هذا، ولكن ليس هذا كل الإيمان.
إن مفهوم الإيمان مفهوم إيجابي يدفع إلى الحركة والفعل. فأول ما يشير إليه مفهوم الإيمان هو:
1.التحرر من الخوف:
فأهل الجاهلية كانوا يخافون من القوى الغيبية ومن قوى الطبيعة المختلفة. فكانوا يتعبدون إلى بعضها تزلفًا ظنًا منهم بأنها تمنع عنهم ضرًا أو
إن خلاصة مفهوم الإيمان هي التحرر من الخوف القلبي والحيرة العقلية
تجلب إليهم خيرًا. فلما آمن الناس بربهم وعلموا حقيقة هذه القوى الغيبية والطبيعية وأمنوا جانبها انطلقوا يجوبون أصقاع الأرض آمنين بأن النفع والضر من عند الله وحده.
2.وضوح القضايا الكبرى:
فالإنسان - وبخاصة الفلاسفة - عانى من حيرة شديدة حول قضايا الغيب: كالبعث والحساب وبدء الخلق والحكمة من الخلق وغيرها. فجاء الإسلام ووضح أصول الوحدانية والنبوة والحساب.
3.القدرة على التركيز على الكون المسخر والإحسان فيه:
فبعد أن أمن الإنسان جانب القوى الغيبية والطبيعية فاطمأن قلبه، وزالت حيرة عقله بتعرفه على الأمور الغيبية التي طالما بحث فيها. انطلق يستثمر قدراته في إعمار هذا الكون المسخر له بلا خوف أو حيرة. وبالتالي أصبح لهذا الإنسان هدفًا ومنهاجًا ينطلق به وإليه.
إن خلاصة مفهوم الإيمان هي التحرر. التحرر من الخوف القلبي، والحيرة العقلية.
وهنا يأتي السؤال: ما الذي نقصده بهذا الكلام؟ وما الذي نريد الإشارة إليه؟
نريد بشرحنا هذا لمفهوم الإيمان أن يعرف قادة وطلاب النهضة ما هو الجزء المنوط بهم. فالإيمان حرر قلوبهم وعقولهم لينطلقوا ويركزوا على استعمار الأرض وخلافتها وإعمار هذا الكون المسخر لهم. أما أن يظل الكثيرون محبوسين داخل دائرة قضايا القوى الغيبية كالجآن والشياطين وغيرها أو داخل دائرة قضايا الإيمان فيثيرون قضايا الفرق والنحل وشبهاتهم وافتراءاتهم فهؤلاء يعودون إلى السجن أو القيد الذي حررهم الإيمان منه. فيركزون ويجتهدون حيث تكفي المعلومة البسيطة، ويضيعون ويهملون حيث يجب التركيز والإتقان والإبداع.
إن قضايا الغيب والإيمان تكفيها المعرفة القلبية والعقلية
العمل الصالح هو كل عمل ينهض بالأمة
وبالنظر إلى الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية في أوروبا سنجد أن هذه الأمم قد اتخذت المسيحية ظِهْريّا، وكفرت بخرافاتها وأساطيرها وانطلقت في الكون المسخر تُعمِّر وتستعمر. فحررت عقولها وقلوبها أولًا ثم ركزت على الكون. وهذا ما فعله الإيمان بالضبط.
ولا نقصد بهذا المثال أن ننبذ ديننا، ولكن نقصد أن قضايا الغيب والإيمان تكفيها المعرفة القلبية والعقلية، ويكفينا منهج السلف الصالح من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم. فإنهم لم يكثروا الجدال في هذه القضايا وإنما انطلقوا يجوبون الأرض، ففتحوا نصف العالم القديم في أقل من ثلاثين عامًا؛ بل لم يكونوا يعرفون تلك المصطلحات التي شاعت في علوم الكلام وغيرها من القضايا التي أثيرت فيما بعد.
مفهوم الإيمان
التحرر من الخوف
وضوح القضايا الكبرى
التركيز على الكون المسخر
ثالثًا: فلسفة العمل الصالح
وأول ما يتبادر إلى أذهان العقلية المسلمة بالعمل الصالح العمل التعبدي والخيري. كالصلاة والإنفاق وعمارة بيوت الله وإطعام الطعام. وكل هذا يدخل في باب العمل الصالح. ولكن العمل الصالح في حقيقته هو كل عمل ينهض بالأمة. فهناك فارق كبير بين المخترع المبتكر المسلم والمعتمر الذي يذهب إلى بيت الله الحرام كل سنة أو سنتين. وإلى هذا المعنى أشار العالم التابعي الجليل عبد الله بن المبارك حينما بعث إلى الفُضَيْل بن عياض - والملقب بعابد الحرمين - برسالة فيها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا وهج السنابك والغبار الأطيب
إن مقولة"ليس في الإمكان أحسن مما كان"تؤدي إلى إيقاف عجلة الحياة
ففي ذلك العصر كان قتال الروم هو العمل الصالح الذي به تنهض الأمة وتتقدم. فكان بذلك الجهاد خير من ملازمة المسجد الحرام والصلاة فيه على عظم أجره ومثوبته.
والله تبارك وتعالى قال في كتابه:"الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا"85 ولم يقل أيكم يعمل عملًا حسنًا. فالله يريدنا أن نقوم
بأحسن الأعمال. فالأعمال الحسنة كثيرة، ولكن ما هو أفضلها وأحسنها في هذا الوقت؟ وهو ما يطلق عليه العلماء"واجب الوقت".
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحشد المجتمع بأسره ويحفزه. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
1."من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة نفاق".86
2."من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا"87.
الحديثان السابقان يمثلان سلسلة الدعم المادي والتجهيز المعنوي للمرابط.
3."ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا".88
وهذا الحديث يمثل سلسلة العمل الاجتماعي والتعليمي لكل المجتمع الذي يقف خلف المرابط.
قارن هذا الحشد النبوي بما فعلته ألمانيا عندما بنت نفسها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. لقد كان ما حدث لها دافعًا لتطوير قدراتها العسكرية، وتنظيماتها في مختلف الميادين في الحقبة النازية. وما قدرتها على البناء ثانية بعد الحرب العالمية الثانية إلا ثمرة لعالم الأفكار المنظم، والقيم السائدة والمتبقية - حتى بعد فشل ألمانيا في الحرب الثانية.
وتخيل معي الفكرة ثلاثية الجوانب، فإن عملية تنظيم الدفاع عن الوطن تحتاج إلى:
جيش منظم: مثقف مجهز مدرب قطعًا بما يكافئ ويفوق الأعداء المحتملين.
سورة العصر أجملت عناصر النجاح الستة
الأفكار القاتلة تشكل القيود الحقيقية على إحداث نتائج في الواقع العملي
ولكن ما شكل المجتمع الذي يقف خلف هذا الجيش؟؟