لا يحصل بنهيه عليه الصلاة والسلام عن البتراء استدلال للحنفية على أن الركعة المنفردة لا تجزئ فلا يجوز أن يوتر بركعة واحدة بل بثلاث بتسليمة واحدة إذ ليس الأبتر في اللغة هو المنفرد وحده حتى يحصل الاستدلال بذلك بل الأبتر في اللغة هو الذي لا يتبعه غيره ويضاف إليه من ذنب أو عقب وحينئذ فالبتراء يحتمل أن يريد بها ركعة ليس قبلها شيء ويحتمل أن يريد بها ركعة منفردة والاحتمالان مستويان ونحن نقول الركعتان متقدمتان تابعتان للوتر وتوطئة له فلا حجة للحنفية في ذلك على ما قالوا فالاحتمالات وقعت في هاتين المسألتين في نفس الدليلين وتساوت فيسقط الاستدلال بهما
وكذا يسقط في كل واقعة عين وقع فيها مثل هذا وهي التي أفتى فيها الشافعي بالإجمال وعدم الدلالة
المسألة الثالثة
اللفظ في قوله {صلى الله عليه وسلم} لغيلان لما أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن ظاهر ظهورا قويا في الإذن والتخيير في الحالين حال ما إذا عقد عليهن عقودا مرتبة عقدا بعد عقد وحال ما إذا عقد عليهن عقدا واحدا فالاحتمالات المستوية بين هذين الحالين ليست في الدليل الدال على الحكم حتى يقدح في الدلالة بل هي في محل الحكم والاحتمالات المستوية في محل الحكم لا تقدح في الدلالة فمن هنا قال مالك والشافعي رضي الله عنهما له الخيار في الحالين بلا فرق خلافا لأبي حنيفة في قوله لا يجوز له أن يختار في الحالة الأولى من المؤخرات لفساد عقودهن بعد أربع عقود فإن عقد الخامسة وما فوقها باطل والخيار في الباطل لا يجوز وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لو أراد أحد الحالين دون الأخرى لاستفصل غيلان عن ذلك وحيث لم يستفصل والأصل عدم علمه {صلى الله عليه وسلم} بحالة غيلان وهو في مقام تقرير قاعدة كلية لجميع الخلق ومن كان في مثل هذا المقام شأنه البيان والإيضاح كان أبين دليل على أن الحالين سواء في الحكم