وهذا هو الغالب فإن أوامر الشرع تتبع المصالح الخالصة أو الراجحة ونواهيه تتبع المفاسد الخالصة أو الراجحة حتى يكون أدنى رتب المصالح والندب يترتب عليه الثواب ثم
تترقى المصلحة والندب وتعظم رتبته حتى يكون أعلى رتب المندوبات تليه أدنى رتب الواجبات وأدنى رتب المفاسد يترتب عليها أدنى رتب المكروهات ثم تترقى المفاسد والكراهة في العظم حتى يكون أعلى رتب المكروهات يليه أدنى المحرمات وقسم من المندوبات لا تقصر مصلحته عن مصلحة الواجب بل تارة يساوي الواجب وتارة يفضله فيها فما ورد في الشريعة من تقديم المندوبات على الواجب كما هنا فإن المندوب الذي هو أداء العشاء في جماعة يجمعها مع العشاء قدم على الواجب الذي هو أداؤها في وقتها يجب حمله على هذا القسم سواء أعلمنا أن مصلحة ذلك المندوب أعظم ثوابا من مصلحة ذلك الواجب أو أنهما متساويان فيها أو لم نعلم ذلك أما إذا علمنا أن مصلحته أكثر كما في المندوبات التي وجد في الشريعة أنها أعظم من الواجبات وأن ثوابها أعظم من ثواب الواجبات فدلنا ذلك على أن مصالحها أعظم من مصالح الواجبات فلا كلام كما إذا علمنا التساوي لأن لله تعالى أن يفضل
أحد المتساويين على الآخر بإرادته على أنه يجوز أن يكون في أحد المتساويين مصلحة لم يطلع عليها أحد بسبب قصد الوجوب فيه أو وقوعه في حيز الواجب
وأما إذا لم نعلم ذلك فلأنا نستدل بالأثر على المؤثر ونقول ما قدم صاحب الشرع هذا المندوب على هذا الواجب إلا لكون مصلحته أعظم من مصلحة الواجب وذلك لأنا استقرينا الشريعة فوجدناها مصالح على وجه التفضل من الله تعالى