وأما أن لا توجد بينهما علاقة ألبتة لا قريبة ولا بعيدة وهذا القسم بنوعيه هو ما ليس بصريح ولا كناية أي ظاهرة بل هو الكناية الخفية قال صاحب الجواهر هذا نحو قوله اسقني الماء فإن أراد به الطلاق فالمشهور من مذهب مالك لزومه واختلف الأصحاب في تعليله فقيل هو طلاق بمجرد النية لعدم صلاحية اللفظ وقيل بل اللفظ كان المستعمل وضعه الآن للطلاق وهو بعيد لأن إنشاء الوضع لا تجده يخطر ببال
الناس في العادة عند هذا الاستعمال وصحح ابن الشاط تعليل الأصل بأنه عبر بلفظ نحو اسقني عن الطلاق لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز على حد التعبير عن الأرض بالسماء وعن السماء بالأرض ونحوه مما نص الأصوليون على أنه مما عري في استعماله عن الحقيقة والمجاز لأن غايته ها هنا أن يقال إن لفظ نحو الأكل أو السقي إذا أطلقه المستعمل وأراد به الطلاق لم يكن كلاما عربيا ولا يلزمه من كونه ليس عربيا أن لا يقع به الطلاق ألا ترى أنه لو قال أنت طالقا بالنصب أو الخفض لم يكن كلاما عربيا ومع ذلك يقع به الطلاق قال الخطاب أي لأنه إن كان جاهلا فواضح وإن كان عالما فهازل وهزله جد أفاده عبق فكذلك ها هنا وقيل لا يلزمه طلاق
وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة لأن الطلاق بالنية لا يلزم واللفظ لا يصلح إما على القول بالتوقيف وأن اللغات وضعها الله تعالى فلقول المازري في شرح البرهان والغزالي في البسيط لا يجوز أي على التوقيف لأحد أن يضع لفظا لمعنى ألبتة بل ذلك موكول إلى الله تعالى
قال في البسيط فلا يجوز أن يصدق ألفا أي يسلمه صداقا ويعبر عنه بألفين للتجمل بين الناس
وإما على القول بالاصطلاح وأن اللغات وضعها أهل اللغة أو على مذهب المحققين من عدم الجزم بالتوقيف والاصطلاح فلعدم العلاقة القريبة المصححة للاستعمال والجواب عن هذا الشق الأخير يعلم مما تقدم من تعليل الأصل الذي صححه ابن الشاط