يقدر على ذلك كما في حال الخرس والطفولية. وقالت الحشوية وطائفة سموا أنفسهم بالحنابلة: كلامه تعالى هو الحروف والأصوات المتوالية المترتبة ويزعمون أنها قديمة، وتعالى بعضهم حتى زعم قدم هذه الحروف التي نقرؤها والرسوم، بل تجاوز جهل بعضهم لغلاف المصحف. وقالت المعتزلة: كلامه هو الحروف والأصوات الحادثة وهي غير قائمة بذاته، فمعنى كونه متكلما عندهم: أنه خالق للكلام في بعض الأجسام لزعمهم أن الكلام لا يكون إلا بحروف وأصوات، وهو مردود بأن الكلام النفسي ثابت لغة، كما في قول الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
[90] وكلامه تعالى صفة واحدة لا تعدد فيها، لكن لها أقسام اعتبارية، فمن حيث تعلقه بطلب فعل الصلاة مثلا: أمر، ومن حيث تعلقه بطلب ترك الزنا مثلا: نهي، ومن حيث تعلقه بأن فرعون فعل كذا مثلا: خبر، ومن حيث تعلقه بأن الطائع له الجنة: وعد، ومن حيث تعلقه بأن المعاصي يدخل النار: وعيد، إلى غير ذلك بالنسبة لغير الأمر والنهي، تعلق تنجيزي قديم، وأما بالنسبة للأمر والنهي: فإن لم يشترط فيهما وجود المأمور والمنهي فكذلك، وإن اشترط فيهما ذلك كان التعلق فيهما صلوحيا قبل وجود المأمور والمنهي، وتنجيزيا حادثا بعد وجودهما.
[191] واعلم أن كلام الله يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وعلى الكلام اللفظي بمعنى أنه خلقه، وليس لأحد في أصل تركيبه كسب، وعلى هذا المعنى يحمل قول السيدة عائشة: ما بين دفتي المصحف كلام الله تعالى.
وإطلاقه عليهما: قيل بالاشتراك، وقيل حقيقي في النفسي مجاز في اللفظي، وعلى كل من أنكر أن ما بين دفتي المصحف كلام الله فقد كفر إلا أن يريد أنه ليس هو الصفة القائمة بذاته تعالى، ومع كون اللفظ الذي نقرؤه حادثا لا يجوز أن يقال: القرآن حادث إلا في مقام التعليم؛ لأنه يطلق على الصفة القائمة بذاته أيضا لكن مجازا على الأرجح، فربما يتوهم من إطلاق أن القرآن حادث أن الصفة القائمة بذاته تعالى حادثة، ولذلك ضرب الإمام أحمد بن حنبل وحبس على أن يقول بخلق القرآن فلم يرض.