51 -وقولهم إن الصلاح واجب ... عليه زور ما عليه واجب [333 - 339]
[333] قوله: (وقولهم .... ) إلخ هذا علم مما تقدم من أنه يجوز في حقه تعالى كل ممكن وتركه، لكن لما كان خطر الجهل في هذا الفن عظيما لم يكتف فيه إلا بالتصريح. و (قولهم) مبتدأ وخبره (زور) والضمير عائد على المعتزلة وإن لم يتقدم لهم ذكر لشهرة هذا المذهب عنهم، وجملة قوله: (إن الصلاح واجب عليه) مقول (قولهم) .
[334] الصلاح والأصلح
واعلم أن للمعتزلة عبارتين، الأولى: وجوب الصلاح والمراد به ما قابل الفساد كالإيمان في مقابلة الكفر، فيقولون: إذا كان هناك أمران أحدهما الصلاح والآخر فساد وجب على الله أن يفعل الصلاح منهما دون الفساد، والثانية وجوب الأصلح، والمارد به ما قابل الصلاح ككونه في أعلى الجنان مقابلة كونه أسفلها، فيقولون: إذا كان هناك أمران أحدهما صلاح والآخر أصلح منه وجب على الله أن يفعل الأصلح منهما دون الصلاح، والمصنف تلكم في إبطال مذهبهم على الأولى دون الثانية، لأن الصلاح أعم من الأصلح، وإذا بطل الأعم بطل الأخص، وفي كلام المصنف إجمال في نسبة القول بذلك إليهم لعدم تعلق غرضه بمذهبهم، وإنما غرضه الرد عليهم.
والحاصل أنهم قالوا بوجوب الصلاح والأصلح عليه تعالى، فذهب ثم اختلفوا معتزلة بغداد إلى أنه يجب على الله تعالى مراعاة الصلاح والأصلح لعباده في الدين والدنيا، وذهب معتزلة البصرة إلى أنه يجب عليه تعالى مراعاة الصلاح والأصلح لهم في الدين فقط، ثم اختلفوا أيضا في المارد بالأصلح، فعند البغدادية: الأوفق في الحكمة والتدبير، وعند البصرية الأنفع.
[336] وهذه المسألة كانت سببا لافتراق الشيخ أبي الحسن الأشعري من شيخه أبي هاشم الجبائي. فإن أبا الحسن سأل الجبائي في درسه وقال: ما تقول في ثلاثة إخوة أي مثلا مات أحدهم كبيرا مطيعا، والآخر كبيرا عاصيا، والثالث صغيرا، فقال الجبائي: الأول يثاب بالجنة، والثاني يعاقب بالنار، والثالث لا يثاب ولا يعاقب، فقال له الأشعري: فإن قال الثالث يا رب لِمَ أمتني صغيرا وما أبقيتني فأطيعك فأدخل الجنة، ماذا يقول الرب، فقال الجبائي: يقول الرب إني أعلم أنك لو كبرت عصيت فتدخل النار فكان الأصلح لك أن تموت صغيرا، فقال الأشعري: فإن قال الثاني يا رب لِمَ لم تمتني صغيرا فلا أدخل النار، ماذا يقول الرب، فبهت الجبائي فترك الأشعري مذهبه واشتغل هو وأتباعه بإبطال ما ذهبت إليه المعتزلة، وإثبات ما وردت به السنة ومضى عليه