58 -ومنه إرسال جميع الرّسل ... فلا وجوب بل بمحض الفضل [391 - 398]
58 -لكن بذا إيماننا قد وجبا ... فدع هوى قوم بهم قد لعبا ... [399 - 402]
[391] الرسل: حكم إرسال الرسل
قوله: (ومنه إرسال جميع الرسل) أي: ومن الجائز العقلي في حقه تعالى إرساله لجميع الرسل من آدم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بدخول المبدأ والغاية عليهم الصلاة والسلام، خلافا لمن أوجبه ولمن أحاله.
[392] فالأول: أعني من أوجبه المعتزلة والفلاسفة، فقد اتفقت الطائفتان على الوجوب وزادت الفلاسفة الإيجاب.
[393] ومبني كلام المعتزلة على قاعدة وجوب الصلاح والأصلح، فيقولون: النظام المؤدي إلى صلاح النوع الإنساني على العموم في المعاش والمعاد لا يتم إلا ببعثة الرسل، وكل ما هو كذلك فهو واجب على الله تعالى، وقد مر هدم تلك القاعدة.
[394] ومبنى كلام الفلاسفة على قاعدة التعليل أو الطبيعة فيقولون: يلزم من وجود الله وجود العالم بالتعليل أو بالطبع، ويلزم من وجود العالم وجود من يصلحه، وقد تقدم أنه تعالى فاعل بالاختيار لا بطريق الإجبار، وذكر بعضهم الشيعة بدل الفلاسفة.
[395] وذكر شمس الدين السمرقندي أن الفلاسفة ينكرون الإرسال لنفيهم كونه تعالى مختارا، لكن في المقاصد وغيرها نحو ما تقدم.
[396] والثاني: أعني من أحاله كالسمنية والبراهمة زعموا أن إرسال الرسل عبث لا يليق بالحكيم، لأن العقل يغني عن الرسل، فإن الشيء إن كان حسنا عند العقل فعله، وإن لم تأت به الرسل، وإن كان قبيحا عنده تركه وإن لم تأت به الرسل، وإن لم يكن عنده حسنا ولا قبيحا: فإن احتاج إليه فعله وإلا تركه، ونعوذ بالله من تلك العقائد.
[397] قوله: (فلا وجوب) أي: إذا علمت أن إرسال الرسل من الجائز العقلي في حقه تعالى فاعلم أنه لا وجوب عليه خلافا للمعتزلة والفلاسفة أي: ولا استحالة، خلافا للسمنية والبراهمة كما يعلم مما تقدم، فالتفريع فيه قصور، ولعله لم يعتد بالقول بالاستحالة.
[398] وقوله: (بل بمحض الفضل) أي: بل إرسال الرسل إنما هو بإحسانه الخالص، فإضافة محض بمعنى الخالص للفضل بمعنى الإحسان من إضافة الصفة للموصوف، فقولنا (( بإحسانه ) )فيه رد على الفلاسفة. وقولنا (( الخالص ) )فيه رد على المعتزلة، و (( بل ) )هنا للإضراب الانتقالي.
[399] قوله: (لكن بذا إيماننا قد وجبا) لما كان قد يتوهم من كون الإرسال من