كان الدور مستحيلا لأنه يلزم عليه كون الشيء الواحد سابقا على نفسه مسبوقا بها، فإذا فرضنا أن زيدا أوجد عمرا وأن عمرا أوجد زيدا، لزم أن زيدا متقدم على نفسه متأخر عنهما وأن عمرا كذلك، وإنما كان التسلسل مستحيلا لأدلة أقامها المتكلمون أجلها برهان التطبيق، وتقريره: أنك لو فرضت سلسلتين وجعلت إحداهما من الآن إلى ما لا نهاية له، والأخرى من الطوفان إلى ما لا نهاية له، وطبقت بينهما بأن قابلت بين أفرادهما من أولهما، فكلما طرحت من الآنية واحدا طرحت في مقابلته من الطوفانية واحدا وهكذا، فلا يخلو إما أن يفرغا معا فيكون كل منهما ما له نهاية وهو خلاف الفرض، وإن لم يفرغا لزم مساواة الناقص للكامل وهو باطل، وإن فرغت الطوفانية دون الآنية كانت الطوفانية متناهية والآنية أيضا كذلك، لأنها إنما زادت على الطوفانية بقدر متناه وهو ما من الطوفان إلى الآن، ومن العلوم أن الزائد على شيء متناه بقدر يكون متناهيا بالضرورة، ويتعلق به مباحث تطلب من المطولات.
وقوله: (الوجود) أي الذاتي، بمعنى أن وجوده لذاته لا لعلة، أي أن الغير ليس مؤثرا في وجوده تعالى، وليس المراد أن الذات أثرت في نفسها، إذ لا يقوله عاقل، وإنما ضاق عليهم التعبير، فثمرة القيد تظهر في المحترز. وأما الوجود غير الذاتي كوجودنا فهو بفعله تعالى، وبعضهم لا يشاهد لغيره وجودا وهذا يسمى عندهم وحدة الوجود، وقد غرق فيه من غرق حتى وقع من بعض الأولياء ما نوههم الاتحاد والحلول كقوله الحلاج: أنا الله، وكقول بعضهم: (ما في الجبة إلا الله) ، وهذا اللفظ لا يجوز شرعا لإيهامه، لكن القوم تارة تغلبهم الأحوال فيؤول ما يقع منهم بما يناسبه، وممن أفتى بقتل الحلاج حين قال المقالة السابقة: الجنيد، كما في شرح الكبرى.