وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28] فمن
نفى عموم بعثته صلى الله عليه وسلم فقد كفر، وفي ذلك رد على العيسوية وهم فرقة من اليهود زعموا تخصيص رسالته صلى الله عليه وسلم بالعرب، لا يقال: تعميم البعثة ليس خاصّا بنبينا صلى الله عليه وسلم بل مثله نوح فإنه كان مبعوثا لجميع من في الأرض بعد الطوفان لأنا نقول: تعميم بعثة نوح ليس من أصل البعثة بل أمر اتفاقي، لأنه لم يسلم من الهلاك إلا من كان معه في السفينة. وأما تعميم بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو من أصل البعثة. ومقتضى ما ذكر أن بعثه نوح لم تكن عامة قبل الطوفان، فيكون بعض المغرقين لم يرسل إليهم فيقال: إذا لم يرسل إليهم فما موجب غرقهم؟ وقد قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ولذلك قيل: إنها عامة قبل الطوفان، ولعل الأول تمسك بقوله تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] وعلى القول بعموم بعثته قبل الطوفان فالتعميم خاص بزمنه فقط، وتعميم رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم لزمنه وللزمن الذي بعده، بل والذي قبله كما تقدم، فأين التعميم الخاص من التعميم العام؟ على أن سيدنا نوحا لم يرسل إلى الجن، فإنه لم يرسل لهم إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأما تسخير الجن لسليمان عليه الصلاة والسلام فتسخير سلطنة وملك لا تسخير نبوة.