عليه الصلاة السلام {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ} [الشعراء: 78] . فلم يقل أمرضني تأدبا، وإلا فالكل من الله تعالى.
قوله: (موفق) معطوف على (( خالق ) )بحرف عطف مقدر، كما أشار إليه الشارح حيث قال: (( وموفق ) )فقدر حرف العطف (( وموفق ) )مأخوذ من التوفيق، وهو لغة: التأليف بين الأشياء، وشرعا: خلق قدرة الطاعة في العبد، وهل يحتاج لقولهم: وتسهيل سبيل الخير إليه، أو قولهم: والداعية إليها: أي الميل النفساني إلى الطاعة، أو لا يحتاج لذلك، خلاف مبني على الخلاف في تفسير قدرة الطاعة، ففسرها إمام الحرمين بسلامة الأسباب والآلات.
[295] المراد من الأسباب: الأشياء التي تكون حاملة على الفعل، والمراد من الآلات الأشياء التي يحصل بها الإعانة على الفعل، فالماء الذي يتوضأ به من الأسباب العرفية للصلاة، والأعضاء التي تحاول بها الطاعة آلات لها، وعلى هذا التفسير فيحتاج لما ذكر لإخراج الكافر فإنه ليس موفقا، مع أن الله خلق فيه قدرة الطاعة بالمعنى السابق. وفسرها الأشعري بالعرض المقارن للطاعة، وعلى هذا التفسير فلا يحتاج لما ذكر، لأن الكافر خارج من أول الأمر، إذ لم يخلق الله فيه قدرة الطاعة بهذا المعنى، وأورد عليه أن الشخص مكلف قبل الطاعة، مع أنه قبلها على كلامه ليس فيه قدرة، فيلزم عليه تكليف العاجز وهو ممنوع. وأجيب بأنه قادر بالقوة القريبة لما اتصف به من سلامة الأسباب والآلات وهذا بناء على ما قاله الأشعري من أن العرض كالبياض لا يبقى زمانين، بل العرض في هذا الزمان غير العرض في الزمان الذي قبله، وهكذا، فيكون كالماء الجاري. والحق أن العرض يبقى زمانين، وعليه فلا مانع من تقدم القدرة على الطاعة عنها، فتحصل من ذلك أن في التوفيق قولين، القول الأول: أنه خلق قدرة الطاعة في العبد وتسهيل سبيل الخير إليها أو الداعية إليها، وفي بعض العبارات: خلق الطاعة نفسها، وهو ظاهر. والقول الثاني: أنه خلق قدرة الطاعة في العبد. وهذان القولان مبنيان على القولين في تفسير قدرة الطاعة، واقتصارهم على إخراج الكافر يقتضي أن المؤمن العاصي موفق وهو الحق، خلافا لمن قال: الموفق لا يعصى، إذ لا قدرة له على المعصية، كما أن المخذول لا يطيع؛ إذ لا قدرة له على الطاعة. ولك أن تقول: الموفق لا يعصي من حيث ما وفق فيه والمخذول لا يطيع من حيث ما خذل فيه. [296] وقد سئل الجنيد: أيعصي الولي، فأطرق ثم رفع رأسه وقال: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38] .