23 -فواجب له الوجود والقدم ... كذا بقاء لا يشاب بالعدم [139 - 146]
[139] فن التوحيد: مباحثه.
وقوله: (فواجب له .. ) الخ، أي: إذا أردت معرفة ما يجب له تعالى فأقول لك: واجب له ... الخ، فالفاء فاء الفصيحة، والضمير المجرور عائد عليه تعالى. وقد انقسمت مباحث هذا الفن ثلاثة أقسام:
إلهيات: وهي المسائل المبحوث فيها عما يتعلق بالإله.
ونبويات: وهي المسائل التي يبحث فيها عما يتعلق بالأنبياء.
وسمعيات: وهي المسائل التي لا تتلقى أحكامها إلا من السمع، وقد شرع في تفصيل ذلك مقدما الإلهيات على غيرها لتعلقها بالحق تعالى، وما يتعلق به مقدم على غيره، وبدأ بالواجب لشرفه، وإنما قدم منه الوجود لأنه كالأصول وما عداه كالفرع؛ لأن الحكم بوجوب الواجبات له تعالى واستحالة المستحيلات عليه تعالى وجواز ما يجوز في حقه تعالى لا يتعقل إلا بعد الحكم بوجوب الوجود له تعالى، ثم إن المصنف قدم الخبر للاهتمام، لأن المقصود الحكم بالوجوب، وقد يقال: الظاهر إعراب واجب مبتدأ، وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة عمله في الجار والمجرور، والوجود وما بعده خبر، فكأنه قال: الواجب المتقدم ذكره هو الوجود وما عطف عليه، ومعنى كونه تعالى واجب الوجود:
واجب الوجود: معناه
أنه لا يجوز عليه العدم، فلا يقبل العدم لا أزلا ولا أبدا. والدليل على وجوب الوجود له تعالى أن تقول: الله يجب افتقار العالم إليه، وكل من وجب افتقار العالم إليه واجب الوجود، ينتج: الله واجب الوجود. دليل الصغرى: ما تقدم من أن العالم حادث، وكل حادث يجب افتقاره إلى محدث ودليل الكبرى: أنه لو لم يكن واجب الوجود لكان جائزه. فيفتقر إلى المحدث ويفتقر محدثه إلى محدث، فإن رجع الأمر إلى الأول مباشرة أو بواسطة فالدور، لأنه دار الأمر ورجع إلى مبدئه، وإن تتابعت المحدثون واحدا بعد واحد إلى ما لا نهاية له فالتسلسل، لأنه تسلسل الأمر وتتابع، وكل من الدور والتسلسل محال، فما أدى إليه فهو افتقاره إلى محدث محال، فما أدى إليه وهو كونه ليس واجب الوجود محال، وإذا استحال كونه ليس واجب الوجود ثبت كونه واجب الوجود وهو المطلوب، وحقيقة الدور توقف الشيء على ما توقف عليه إما بمرتبة أو أكثر، وحقيقة التسلسل ترتب أمور غير متناهية، وإنما