من صانع حكيم واجب الوجود موصوف بالصفات. قال تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] أي في أنفسكم آيات ودلائل أتتركون التفكر فيها فلا تبصرون: أي لا ينبغي ترك النظر فيها، وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون: 12، 13] .
من عرف نفسه عرف ربه
والإنسان: آدم، والسلالة: الطينة، فهي قطعة من عموم الطين، والضمير في قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} عائد على الإنسان، لا بمعنى آدم، بل بمعنى بنيه، ففيه استخدام، وقد ورد: (من عرف نفسه عرف ربه) أي: من عرف نفسه بالحدوث والفقر، عرف ربه بالقدم والمغنى، وهذا هو الأظهر في معنى الحديث، وقيل: هو إشارة إلى التعجيز: أي أنت لا تعرف نفسك فلا تطمع في معرفة كنه ربك، ذكره الشريف المقدسي في مفاتيح الكنوز وحل الرموز.
[103] قوله: (ثم انتقل للعالم العلوي) أي ثم بعد نظرك في أحوال نفسك انتقل للنظر في أحوال العالم المنسوب إلى جهة العلو، والمراد به: ما ارتفع من الفلكيات من سموات، وكواكب، وعرش، وملائكة، وغيرها.
وقوله: (ثم السفلي) أي ثم انتقل للنظر في العالم المنسوب لجهة السفل، والمراد به: كل ما نزل عن الفلكيات إلى منقطع العالم كالهواء، والسحاب والأرض وما فيها كالمعادن والبحار والنبات وغير ذلك، فتستدل بها على وجوب وجود الصانع وصفاته، فإنك تجد كلا منهما مشمولا بجهات مخصوصة وأمكنة معينة وتجد بعضه متحركا، وبعضه ساكنا، وبعضه نورانيا، وبعضه ظلمانيا،