[192] وقال السنوسي وغيره من المتقدمين: إن الألفاظ التي نقرؤه تدل على الكلام القديم، وهذا خلاف التحقيق، لأن بعض مدلوله قديم كما في قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] وبعض مدلوله حادث كما في قوله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى} [القصص: 76]
[193] والتحقيق أن هذه الألفاظ تدل على بعض مدلول الكلام القديم، لأنه يدل على جميع الواجبات والجائزات والمستحيلات، فالألفاظ التي نقرؤها تدل على بعض هذا المدلول، فلو كشف عنا الحجاب وفهمنا من الكلام القديم طلب إقامة للصلاة مثلا نفهم ذلك من قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] ويصح أن يكون المراد أن الكلام اللفظي يدل على الكلام النفسي دلالة عقلية التنزامية بحسب العرف، فإن من أضيف له كلام لفظي دل عرفا أن له كلاما نفسيا، وقد أضيف له تعالى كلام لفظي كالقرآن، فإنه كلام الله قطعا بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ، فدل التزاما على أن له تعالى كلاما نفسيا، وهذا هو المراد بقولهم: القرآن، حادث، ومدلوله قديم فأرادوا بمدلوله الكلام النفسي، وتكفي الإضافة الإجمالية وإن لم يكن اللفظي قائما بالذات. وفهم القرافي أن المراد المدلول الوضعي فقال: منه قديم وهو ذات الله وصفاته، وحادث كخلق السماوات، ومستحيل كـ {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [البقرة: 116] بسطة العلامة الملوي، والحاصل أن للألفاظ التي نقرؤها دلالتين: أولاهما: التزامية عقلية عرفا كدلالة اللفظ على حياة اللافظ، والمدلول بهذه الدلالة هو الكلام القديم، وهذا محمل كلام السنوسي ومن تبعه، وثانيتهما وضيعة لفظية. والمدلول بهذه الدلالة بعضه قديم وبعضه حادث، وهذا محمل كلام القرافي وغيره فلا تنافي بين القولين كما يصرح به بعض حواشي الكبرى، والله أعلم.
قوله: (السمع) معطوف على الكلام بحذف حرف العطف: أي وكذا السمع، فهو مثل ما ذكر في وجوب اتصافه تعالى به، وهو صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بالموجودات: الأصوات، وغيرها كالذوات كما سيأتي في قوله: (وكل موجود أنط للسمع به) وهذه طريقة السنوسي ومن تبعه.