73 -ومعجزاته كثيرة غرر ... منها كلام الله معجز البشر [478 - 481]
[478] قوله: (ومعجزاته كثيرة غرر) لما ذكر فيما تقدم تأييد الله تعالى للأنبياء بالمعجزات نبه هنا على كثرتها ووضوحها لنبينا دون غيره، فالغرض الآن التنبيه على كثرة معجزاته ووضوحها لكن المراد من معجزاته: الأمور الخارقة للعادة الظاهرة على يده صلى الله عليه وسلم سواء كانت مقرونة بالتحدي أم لا، فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أو من عموم المجاز، وإنما وصفها بالكثرة المطلقة إيماء للعجز عن الإحاطة بها.
والغرر: جمع غرة وهي في الأصل: بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، وتطلق على خيار الشيء، ثم استعملت في كل واضح معروف على وجه الحقيقة العرفية، وهو المراد هنا، فـ (غرر) بمعنى واضحات مشهورات. واعلم أن ما كان منها معلوم بالقطع منقولا بالتواتر كالقرآن، فلا شك في كفر منكره، وما لم يكن منها كذلك: فإن اشتهر كنبع الماء من بين أصباعه صلى الله عليه وسلم فسق منكره وإن لم يشتهر وثبت بطريق صحيح أو حسن عزر منكره.
[480] قوله: (منها كلام الله) قد تقدم أن كلام الله يطلق على الصفة القديمة وعلى اللفظ المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته المتحدّى بأقصر سورة منه كما يطلق عليهما القرآن، لكن قد غلب كلام الله في الصفة القديمة، والقرآن في اللفظ الحادث. والمصنف أراد هنا بكلام الله: اللفظ، وإنما نص عليه بخصوصه لأنه أفضل معجزاته صلى عليه وسلم وأدومها لبقائه إلى يوم القيامة، ولا يخرج عنه شيء من معجزاته غالبا، وإلا فبعضها لم يذكر فيه بطريق الصراحة وإن كان داخلا في عموم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20] . {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] . وذلك كانشقاق القمر. فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه: إذ انشق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اشهدوا ) )، وقال كفار قريش: هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا أرأوا مثل هذا أم لا؟ فأخبر أهل الآفاق بأنهم رأوه منشقّا، فقال كفار قريش: هذا سحر مستمر فقد انشق نصفين وهو في السماء وإن كان قد يسبق إلى الوهم أنه نزل منها إلى الجبل.