المعنى: كان في رجائي ذلك، والإنشاء لا يتصف بالصدق ولا كذب وعدم وقوع المترجى لا يعد نقصا. ودليل وجوب صدقهم عليهم الصلاة والسلام: أنهم لو لم يصدقوا للزم الكذب في خبره تعالى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة منزلة قوله تعالى. صدق عبدي في كل ما يبلغ عني. وتصديق الكاذب كذب وهو محال في حقه تعالى، فملزومه - وهو عدم - صدقهم - محال، وإذا استحال عدم صدقهم وجب صدقهم وهو المطلوب، لكن هذا الدليل إنما يدل على صدقهم في دعوى الرسالة وفي الأحكام الشرعية، لأن ذلك هو الذي بلغوه عن الله تعالى، ولا يدل على صدقهم في غير ذلك كـ (قام زيد وقعد عمرو) ولكن يدل عليه دليل الأمانة، لأنه داخل فيها، ولو التفت لعموم الأمانة لتضمنت جميع ما بعدها، وعلم من ذلك أن أقسام الصدق ثلاثة، المقصود هنا الأولان. وأما الثالث فهو داخل الأمانة كما علمت.
وقوله: (وضف له الفطانة) أي: ضم لما تقدم مما يجب لهم: الفطانة وهي التفطن والتيقظ لإلزام الخصوم وإبطال دعاويهم الباطلة. والدليل على وجوب الفطانة لهم عليهم الصلاة والسلام آيات كقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ} [الأنعام: 83] والإشارة عائدة إلى ما احتج به إبراهيم على قومه في قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} إلى قوله: {وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] وكقوله تعالى حكاية عن قوم نوح: {يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود: 32] أي: خاصمتنا فأطلت جدالنا أو أتيت بأنواعه. وكقوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] أي: بالطريق التي هي أحسن بحيث تشتمل على نوع إرفاق بهم.
[411] ومن لم يكن فطنا بأن كان مغفلا لا تمكنه إقامة الحجة ولا المجادلة، لا يقال هذه الآيات ليست وإردة إلا في بعضهم فلا تدل على ثبوت الفطانة لجميعهم، لأنا نقول: ما ثبت لبعضهم من الكمال يثبت لغيره، فثبتت الفطانة لجمي عهم وإن لم يكونوا رسلا بل أنبياء فقط، فاللائق بمنصب النبوة أن يكون عندهم من الفطانة ما يردون به الخصم على تقدير وقوع جدال منهم، ففي قول الشارح: (( والظاهر اختصاص هذا الواجب بالرسل ) )نظر، بل الظاهر العموم، نعم الواجب للأنبياء مطلق الفطنة، وأما الرسل فالواجب لهم كمال الفطنة.