93 -ولا نخض في الرّوح إذ ما وردا ... نص عن الشارع لكن وُجِدا [589 - 592]
قوله: (ولا نخض في الروح) أي ولا نخض نحن معاشر جمهور المحققين في بيان حقيقة الروح، هكذا في شرح المصنف، ومقتضى هذا أن المتن يقرأ بالنون، والشائع قراءته بالتاء التي للمخاطب، وحمل الشارح النهي على الكراهة حيث قال: فالخوض في بيان حقيقتها مكروه لعدم التوقيف في ذلك، لكن كلام الجنيد يدل على الحرمة حيث قال: الروح شيء استأثر الله بعلمه فلم يطّلع عليه أحد من خلقه، فلا يجوز لعباده البحث عنها بأكثر من أنها موجودة قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] وفي ذلك إظهار لعجز المرء حيث لم يعلم حقيقة نفسه التي بين جنبيه مع القطع بوجودها، ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا حتى أطلعه الله تعالى على جميع ما أبهمه عنه من الروح وغيرها مما يمكن علم البشر به لا على جميع معلوماته تعالى، وإلا لزم مساواة الحادث للقديم، وما خالف ذلك نحو {وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأنعام: 50] محمول على أنه كان قبل أن يكشف له عن ذلك. وما ذكره عن عدم الخوض في الروح هو المختار ولذلك صدر الناظم به فنمسك عن بيان حقيقتها وبيان مقرها من الجسد، والمشهور عدم تعدد الروح في كل جسد.
[590] وصرح العز بن عبد السلام بأن في كل جسد روحين إحداهما: روح اليقظة التي أجرى الله العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظا فإذا خرجت منه نام. ورأت تلك الروح المنامات، والأخرى: روح الحياة التي أجرى الله العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان حيّا، فإذا فارقته مات، وهاتان الروحان في باطن الإنسان لا يعرف مقرهما إلا من أطلعه الله على ذلك، وقد كان بعض الأرواح يوم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] مقبلا على بعض بالوجه، وبعضها موليا ظهره لبعض، وبعضها جاعلا جنبه لبعض فالإقبال بالوجه غية في المودة وعكسه بالظهر وبالجنب بين ذلك كما في اليواقيت، ويكشف لكثير عن ذلك كسهل بن عبد الله حتى إنهم يعرفون تلامذتهم إذ ذلك.
[591] وفي الحديث (( الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ) )